الخديوى
سكساوي خبرة
العضوية الذهبيه
كاتب متميز
نودزاوي شاعر
نودزاوي كوميدي
اسطورة نودزاوي
ناشر مجلة
مشرف سابق
عضو
نودزاوي قديم
ناشر قصص
ناقد فني
- إنضم
- 10 نوفمبر 2021
- المشاركات
- 964
- مستوى التفاعل
- 1,181
- الإقامة
- الأسكندرية
- نقاط نودزاوي
- 57,125
- الجنس
- ذكر
- الدولة
- مصر
- توجه جنسي
- أنجذب للإناث
Offline
البيوت مش شوارع وحيطان، البيوت نفوس بتشيل بعضها، وعتبات بتستر المكسور وتلم المتبدد. أوقات كتير الغربة بتبعدنا، والظروف بتقسينا، والنفس الأمارة بالخوف بتهيل التراب على أصلنا الطيب، بس الفطرة الحية ما بتموتش، والدفء القديم اللي اتغزلنا فيه واحنا صغار بيفضل ينده علينا مهما طالت السنين.
المعفي عنه مش اللي ما غلتش، لكن الموفق هو اللي يلحق نفسه قبل ما الميزانية تقفل، ويعرف إن رضا الوالدين وحنية الأصل هما السند الوحيد اللي ما بيميلش. الدنيا حساباتها كتير، وبنغرق في تفاصيل الأرقام والسعي، بس الحساب الحقيقي اللي بنطلع بيه هو كلمتين حلوين، ولمة على طبلية حلال، وبيت مفتوح بالستر والمغفرة. العوده للحق فضيلة، ورجوع الابن لرحم أهله هو أصدق **** وأسرع جلاء للقلب.. ومن ستر معافى، ومن وصل وصل.
عم عبد التواب ساكن في قلب حي كوم الدكة القديم، وتحديداً في حارة ضيقة متفرعة من شارع صفية زغلول، القريب من منطقة محطة الرمل. حي قديم له هيبة وناسه عارفين بعض بالاسم، بيوتها مبنية بالطوب الأحمر القديم والسقف العالي، والسلالم رخام مأكول من مشي السنين. الحارة فيها روح الدفا والونس بتاع زمان؛ الدكاكين الصغيرة تحت البيوت، القهوة البلدي على الناصية، وريحة البن والشاي بالنعناع طالعة من شبابيك الجيران طول النهار.
في الممر الطويل بتاع مصلحة الحسابات اللي جدرانها متقشرة من الرطوبة وشابكة فيها ريحة الأوراق القديمة مع حبر الأختام، كان الأستاذ عبد التواب بيحزم حاجته ببطء شديد. أربعين سنة كاملة مرت من تحت إيديه في المكان ده، أربعين سنة وهو بيراجع الدفاتر، يدقق في المليم قبل الجنيه، ويعلم الشباب الجداد كيف الدفتر لازم يطلع مظبوط مسطرة، وكيف الضمير في الحسابات زي الشرف ما فيهوش معلش ولا سهوا.
على المكتب الخشب القديم اللي اتبرد سطحه من كثرة المسح والاحتكاك، كانت فيه كرتونة صغيرة بيحط فيها معجون سنانه، ونظارة القراءة بقشرتها الجلد المتآكلة، ومصحف جيب صغير غلافه أزرق، وبقايا علبة شاي وسكر. زمايله في القسم كانوا واقفين حواليه، الشبان الصغار اللي كان بيدافع عنهم قدام المدير لما يغلطوا في حساب أو يسهوا في بند، والموظفين القدام اللي كبروا معاه في نفس المراجع.
عم حسنين الفراش جاب صينية الشاي بالنعناع الأخيرة، وإيديه كانت بترتعش وهو بيحط الكوباية قدام عبد التواب. قال له بصوت مخنوق واللـه يا أستاذ عبد التواب المكان هيظلم من بعدك، مين هيصبح علينا بالابتسامة الصافية دي كل يوم. عبد التواب ابتسم ابتسامة هادية وهو بيطبطب على إيد عم حسنين، وقال له البركة في الشباب يا حسنين، المصلحة مش بتقف على حد، وكل واحد بياخد وقته وبيسلم للي بعده. وهى دى سنة وانتى الحياة.
قطع الكلام دخول المدير العام ومعه تورته صغيرة عليها شمعة واحدة برقم ستين. التف الموظفون حوالين المكتب، وعملوا حفلة بسيطة على قد الحال، ضحكوا وافتكروا أوان الزحمة أيام الميزانيات وتقفيل السنة المالية، لما كان عبد التواب بيبات في المصلحة عشان يخلص ميزانية الإدارة وما يروحش بيته غير والدنيا بتشقشق. ألقى الشباب كلمات دافية، وكل واحد افتكر له موقف حنين أو نصيحة طبطبت عليه في أيام ضيقته.
عبد التواب كان بيسمع وهو بيهز رأسه بشكر وامتنان، بس عينيه كانت بتسرح كل شوية من شباك المصلحة اللي بيطل على الحارة المجاورة. كان بيسأل نفسه يا ترى بكرة الساعة تمانية الصبح هكون بعمل إيه. الفراغ اللي جاي ده هيملاه بإيه بعد ما العمر كله اتغزل في السعي والطلب. لما شال الكرتونة تحت باطه ونزل السلم الرخام المأكول، زمايله مشيوا معاه لحد باب الشارع ودعوه بالدموع والأحضان.
خرج عبد التواب للشارع والشمس كانت بتبدأ تميل للغروب. مشي في شوارع الحارة اللي حافظ كل حجر فيها. الحارة كانت صاحية ودافية، أول ما دخلها كان عم صابر الحلاق واقف قدام دكانه وبيهش الدبان بالمنشة، أول ما شافه شايل الكرتونة فهم على طول. نادى عليه وقال له ألف مبروك يا أستاذ عبد التواب، عقبال ما ترتاح وتتهنى، خلاص كده أخدت إجازتك الكبيرة. عبد التواب وقف معاه شوية، وقال له اللـه يبارك فيك يا عم صابر، عقبال ما نفرح بعيالك.
مشي بضعة خطوات، لقي أم سيد قاعدة على كرسي بلاستيك قدام بيتها بتنقي خضار، أول ما شافته دعت له بدعوات طالعين من قلبها وقالت له البيت هيزيد نور بيك يا أستاذ عبد التواب، عقبال ما تفرح بأحمد وتشوف ولاده. الكلمة دي بالذات هبطت على قلبه زي الحجر الدفيان. أحمد. ابنه الوحيد اللي ساب مصر بعد ما اتخرج من هندسة بقاله ست سنين وطلع على الخليج عشان يبني نفسه.
طلع عبد التواب السلم الحجر لحد الدور التالت، فتح الباب بالمفتاح، لقي الشقة هادية وريحة البخور البسيط طالعة من الصالة. أم أحمد كانت قاعدة على الكنبة الخشب وبتقرأ في المصحف، نظارتها نازلة على طرف مناخيرها. أول ما شافته شايل الكرتونة حطت المصحف على الترابيزة وقامت بالعافية، رجليها كانت بتوجعها من روماتيزم السنين. قربت منه وأخدت منه الكرتونة وحطتها على الجنب، وقالت له بصوت دافي حمد اللـه على سلامتك يا أبو أحمد، نورت بيتك يا خويا.
قعد عبد التواب على الكرسي الخيزران المفضل بتاعه في الصالة، وأم أحمد جابت له كوباية المية الساقعة. قعدوا يبصوا لبعض شوية في صمت شريف، صمت الأجواد اللي عاشوا مع بعض شقا الأيام. قال لها خلاص يا أم أحمد، من بكرة مفيش تصحية بدري ولا ميعاد بوسطة، بقيت متفرغ لك تماماً. ضحكت أم أحمد وقالت له ينور البيت يا أبو أحمد، ده الشارع كله كان مستني اليوم ده عشان ترتاح.
بس الراحة اللي كان عبد التواب بيحلم بيها كان فيها غصة صغيرة مش قادرة تتشال من باله. أحمد ابنه، اللي كان بيكلمهم كل أسبوع مرة، كلماته كانت دايماً متقطعة ومستعجلة، وبيقول إنه مشغول في موقع البناء في الصحرا. عبد التواب كان بيحس إن فيه حاجة مستخبية في صوت ابنه، حاجة مش مظبوطة.
في الوقت ده، بعيد آلاف الكيلومترات، كان أحمد واقف في موقع بناء ضخم في وسط الصحرا، الغبار بيغطي خوذته وهدومه، والشمس بتاكل في وشها. أحمد ما كانش عايش في نعيم زي ما الناس فاكرة عن شغل الخليج. أول ما جه استلم شغل في شركة مقاولات صغيرة، عاش في سكن عمال مشترك في منطقة نائية، يشتغل أربعتاشر ساعة في اليوم تحت حرارة الجو، عشان يقدر يبعت لأبوه وأمه مصاريف علاجهم ويسدد الديون اللي كانت على أبوه بسبب مصاريف تعليمه.
في وسط السنة التالتة له في الغربة، وفي المستشفى اللي كان بيراجع فيها جرح في إيده بسبب حادثة شغل صغيرة، اتعرف على مريم. مريم كانت مهندسة ديكور عربية شغالة في نفس المشروع، وقفت جنبه في المستشفى واهتمت بيه لما لقته لوحده ومحدش معاه. مع الأيام، القرب والوحدة والظروف الصعبة قربت بين قلوبهم. اتجوزوا في الهدوء، جواز رسمي وصغير من غير ظيطة ولا معازيم لأن ظروفهم المالية وقتها كانت يا دوبك تكفي مصاريف المعيشة بالسيف.
أحمد ما قالش لأبوه وأمه. مش قسوة منه ولا كره، لكن خوفاً من إنهم يزعلوا إنه اتجوز بعيد عنهم ومن غير ما تحضر أمه وتبل الشربات وتفرح بيه زي ما كانت بتتحاكى قدام جيران الحارة. كان كل يوم بيعدي عليه بيحس بوزن السر ده بيكبس على صدره، وكل ما يكلم أبوه في التليفون ويسمع صوت عبد التواب وهو يدعي له باللـه يا ابني خلي بالك من نفسك ونفسنا نفرح بيك، كان أحمد بيحس إن السكينة بتدخل في قلبه. كان بيأجل الخبر كل إجازة، ويقول لما انزل هقولهم في وشهم واستسمحهم، بس الشغل والمشاريع كانت بتسحبه وبتأجل النزول سنة ورى سنة.
مرت أسابيع على خروج عبد التواب على المعاش. الأيام بقت تمشي ببطء شديد، زي نهر هادي في صيف حر. عبد التواب صحي الصبح، ينزل يصلي الفجر في المسجد الكبير مع عم صابر الحلاق وعم حسنين، يرجع يجيب الفول والطعمية السخنة والعيش البلدي من المخبز اللي في أول الشارع، يقعد يفطر مع أم أحمد، وبعدين يقعد يقرأ الجورنال في البلكونة ويبص على الحارة اللي صاحية وشغالة.
في يوم من أيام الثلاثاء الدافيين، التليفون الأرضي المخطط على الترابيزة الرخام رن. أم أحمد رفعت السماعة وهي بتمسح إيديها بالفوطة. ثواني وصرخت صرخة فرحة هزت البيت أحمد. يا أبو أحمد تعال كلم أحمد.
عبد التواب قام بسرعة ونط قلبه من مكانه. مسك السماعة بصوت بيترعش أزيك يا ابني، عامل إيه يا أحمد، طمني عليك يا حبيبي.
صوت أحمد من الناحية التانية كان طالع فيه نبرة غريبة، مزيج من الفرحة والارتباك المكتوم. قال له ازيك يا بابا، ازيك يا أمي. أنا نازل مصر يا بابا. نازل إجازة خاطفة ثلاث أيام بس، وهكون عندكم يوم الخميس الصبح.
عبد التواب اتسعت عينيه من الفرحة يا ألف نهار أبيض، يا مرحب يا ابني، البيت ينور، ده أمك هتطير من الفرحة.
أحمد سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة متقطعة بابا.. أنا مش نازل لوحدي. أنا نازل ومعايا مريم.. مراتي.
السكوت نزل على الصالة زي التلج. عبد التواب حس إن السماعة تقلت في إيده. مريم مين يا ابني. مراتك ازاى يعني.
أحمد بدأ يتكلم بسرعة، بيكرر الاعتذار وبيشرح إنه اتجوز من سنتين في السكوت بسبب الظروف وانه كان خايف يزعلهم ومش عارف يواجههم بالتليفون، وإنه أخيراً قدر ياخد إجازة قصيرة عشان ييجوا يبوسوا إيديهم ويطلبوا رضاهم.
عبد التواب بلع ريقه بصعوبة. بص لأم أحمد اللي كانت واقفة مستنية الخبر وعينيها مليانة لهفة. عبد التواب بلع ألمه وقال بصوت محروق بس ثابت ماشي يا أحمد، تنوروا يا ابني، بيت أبوك مفتوح لك أنت ومراتك في أي وقت.
لما قفل التليفون، أم أحمد سألته بلهفة فيه إيه يا أبو أحمد، أحمد ماله. عبد التواب قعد على الكرسي وهز رأسه وقال لها بالهداوة أحمد اتجوز يا أم أحمد.. وجايب مراته وجاي يوم الخميس.
أم أحمد قعدت على الأرض من الصدمة. الجوازة اللي كانت بتحلم بيها، الشربات اللي كانت مستنية توزعه على الحارة، الفرح اللي كانت عايزه تعمله في الشارع.. كل ده انطفا بكلمة في التليفون. طارت دموعها على خدودها وقالت ليه يا ابني، ده أنا كنت شايلا لك حتة الصيغة دي عشان أخطب لك بيها، ليه تعمل فينا كده.
عبد التواب نزل على ركبه جنبها وشال إيديها بين إيديه وقال لها هدي نفسك يا أم أحمد. الولد غربته كانت صعبة، والشقى في البلاد دي بياكل العمر. هو استسمحنا وجاي لحد عندنا يبوس إيدينا. احنا أهله، ولو إحنا ما فتحناش دراعاتنا له، مين يفتحهاله. الشارع والأهل مالهمش غير الستر، واللي اتجوزها دي كتر خيرها إنها است وحملت ظروفه في الغربة.
بالليل، الحارة كلها عرفت. عم صابر الحلاق جه وقعد مع عبد التواب على القهوة، وقال له يا أستاذ عبد التواب، الولاد في الغربة بيبقوا مظلومين، وتفكيرهم بيتغير. المهم إنه يرجع لك سالم، وأنت سيد العارفين بالواجب. وأم سيد دخلت عند أم أحمد بتين وخضار وقالت لها يا ختي افرحي برجعته، البنت غريبة ومالهاش حد هنا، خليها تشوف حنية الأم المصرية عشان تعرف إن جوزها متربي في بيت أصول.
يوم الأربعاء، البيت اتقلب ملحمة طوارئ. عبد التواب نزل السوق من الفجر. نزل مع عم صابر ونقوا اللحمة البلدي الحمرا من عند الحلاق الجزار، ونقوا البطاطس المدورة الصافية، والبصل الأحمر الجديد، والبهارات الطازة من عند العطار اللي في السكة. عبد التواب كان بيفاصل ويبتسم، بس جواه شريط من الذكريات بيلف، فاكر لما كان أحمد صغير وبيقف جنبه في المطبخ وهو بيساعد أمه.
في المطبخ الضيق اللي جدرانه متغطية ببابور الجاز القديم والبوتجاز الأربعة شعلة، قعدت أم أحمد رغم وجع ركبتها، وبدأت تجهز الصينية. صينية البطاطس باللحمة، الأكلة اللي كان أحمد بيعشقها وهو صغير، الأكلة اللي كانت أمه بتعملها له في كل نجاح وفي كل عيد. كانت بتقطع البطاطس شرائح متساوية، وتحط البصل المفروم مع الفلفل الأسود والكمون، وتدعكهم بإيديها لحد ما الريحة تطلع وتملى الحارة.
الجيران كانوا داخلين طالعين، أم سيد جايبة طماطم متسبكة، وبنت عم صابر جايبة رز أبيض مغسول ومجهزاة للتسوية. البيت كله كان بريحة الثوم والبصل واللحمة البلدي اللي بتستوي على نار هادية. الدفا اللي كان ناقص البيت رجع تاني، بس دفا محفوف بتوتر مكتوم.. يا ترى البنت الغريبة دي شكلها إيه، وهتقبل عيشتنا وبساطة بيتنا ولا هتبص علينا بعين الغربة.
يوم الخميس الصبح، كانت الشمس طالعة صافية فوق الحارة. عبد التواب لابس القفطان الأبيض النضيف، وقاعد في الصالة، وأم أحمد لابسة طرحتها الشيفون السودا وقاعدة جنبه، إيديها بتفرك في بعض من التوتر. صينية البطاطس كانت محطوطة في الفرن، الريحة الدافية كانت مالية المكان كله وطلعت للشارع.
ساعة الظهر، سمعوا صوت كركرة شنطه سفر على السلم الرخام. عبد التواب قام بسرعة وفتح الباب. أحمد كان واقف على العتبة، وشه متأثر ومجهد من التعب، وجنبه مريم، بنت سمرا جميلة بملامح هادية ولابسة لبس رقيق ومحتشم.
أحمد أول ما شاف أبوه، الشنطة وقعت من إيده ونزل على ركبتيه وباس إيد أبوه ورجله وهو بيبكي سامحني يا بابا، سامحني يا أبا واللـه ما كان قصدي أزعلكم. عبد التواب شاله من على الأرض وحضنه بقوة، ودموعه نزلت على كتف ابنه. أم أحمد طلعت تجري وحضنت ابنها، وبعدين بصت لمريم اللي كانت واقفة خايفة ومترددة. أم أحمد مدت دراعاتها وفتحتهم لمريم وقالت لها تعالي يا بنتي، نورتي بيت أهلك. مريم اترمت في أحضان أم أحمد وبكت من القلب، وداب التلج اللي كان متراكم طول السنين.
دخلوا الصالة وقعدوا. الحارة كانت بتتفرج من الشبابيك، وعم صابر الحلاق طلع ينادي على عبد التواب عشان يسلم على أحمد. أحمد سلم على كل الجيران اللي دخلوا يباركوا ويجيبوا الشربات، والبيت اتملى بالونس والضحك.
لما جه ميعاد الغدا، أم أحمد قامت بهمة مشهودة، وجابت الطبلية الخشب القريبة من الأرض وحطتها في وسط الصالة، وطلعت صينية البطاطس باللحمة وهي بتطلع دخان وريحتها تدوخ، وحطت جنبها طبق الرز الأبيض المكلل بالشعرية والمخلل البلدي.
قعدوا حوالين الطبلية. أحمد مسك المعلقة وبص للصينية، وعينيه دمعت. مريم بصت للصينية بإعجاب وقالت ريحتها تجنن يا طنط، أنا عمر ما شفت أكل بالدفء ده.
أحمد بدأ ياكل بلهفة غريبة، ياكل البطاطس الدايبة واللحمة البلدي المستوية زي المربى، وكان بياكل زي ما كان بياكل وهو *** في إبتدائي بعد يوم لعب طويل في الشارع. الغربة بكل شقاها وبكل قسوتها، والأسوار اللي بناها السر في قلبه، كل ده داب مع أول معلقة من إيد أمه.
قال أحمد وهو بيمسح دموعه يا أمي، أنا أكلت في المطاعم والفنادق أشكال وألوان، بس واللـه العظيم ما دوقت طعم الدفا والأمان غير في الصينية دي. أم أحمد ابتسمت ابتسامة صافية وقالت له بألف هنا وشفا يا حبيبي، الأكل مش باللحمة ولا بالبطاطس يا أحمد، الأكل بالنفس واللمة الحلوة.
في السهرة بالليل، الجيران نزلوا وضيوف الشارع مشيوا، والهدوء سكن الحارة تاني. عبد التواب ومريم وأم أحمد كانوا قاعدين بيتكلموا عن المستقبل وعن إمكانية إن أحمد ومريم يستقروا في مصر قريب بعد ما يسووا شغلهم في الخليج. مريم كانت بتسمع لعبد التواب وهو بيحكي لها عن أيام المصلحة وتاريخ الحارة، وكانت حاسة بإنها لقت عيلة حقيقية مش مجرد أهل زوج.
بعد ما الكل نام، أحمد صحي في نص الليل، نزل من السرير ببطء ومشي في الممر الضل. دخل المطبخ الصغير، لقي عبد التواب قاعد على كرسي خشب صغير قدام البوتجاز، وفي إيده كوباية شاي ببن.
أحمد قرب منه وقعد على الأرض تحت رجلين أبوه. عبد التواب طبطب على شعره وقال له مش عارف تنام يا أحمد.
أحمد قال له المكان هنا دافي أوي يا بابا، أنا كنت ناسي يعني إيه بيت، كنت فاكر إن الفلوس والشغل هما كل حاجة، بس لما قعدت في وسطكم النهاردة عرفت إن العمر بيعدي من غير ما نحس، وإن اللحظات دي هي اللي بتفضل.
عبد التواب ابتسم وقال له يا ابني، الدنيا شقى ولا بد منها، وأنت راجل وشيلت المسؤولية وبنيت نفسك بنفسك وده يشرفني قدام الدنيا كلها. أنا مش زعلان منك يا أحمد، أنا بس كان نفسي أكون جنبك وأنت بتتجوز وأشد على إيدك. بس المهم إنك رجعت لي بالسلامة، وإن البيت ده هيفضل مفتوح لك ولعيالك من بعدي.
أحمد حط رأسه على ركبة أبوه، وعبد التواب بدأ يمسح على شعره ببطء، زي ما كان بيعمل وهو صغير لما كان بيخاف من الضلمة. الصمت كان بيملا المطبخ، وصوت مروحة السقف القديمة كان بيطلع نغمة منتظمة ودافية.
صينية البطاطس كانت فاضلة منها حتة صغيرة في المطبخ، متغطية بصينية ألومنيوم ثانية، شاهدة على إن الحب والمغفرة والدفا الإنساني هما الحقيقة الوحيدة اللي بتعيش في بيوتنا المصرية، وإن أي كسرة في القلب بتدوايها لمة الأهل ولقمة حلال متاكلة برضا ومحبة.
تمت...
على المكتب الخشب القديم اللي اتبرد سطحه من كثرة المسح والاحتكاك، كانت فيه كرتونة صغيرة بيحط فيها معجون سنانه، ونظارة القراءة بقشرتها الجلد المتآكلة، ومصحف جيب صغير غلافه أزرق، وبقايا علبة شاي وسكر. زمايله في القسم كانوا واقفين حواليه، الشبان الصغار اللي كان بيدافع عنهم قدام المدير لما يغلطوا في حساب أو يسهوا في بند، والموظفين القدام اللي كبروا معاه في نفس المراجع.
عم حسنين الفراش جاب صينية الشاي بالنعناع الأخيرة، وإيديه كانت بترتعش وهو بيحط الكوباية قدام عبد التواب. قال له بصوت مخنوق واللـه يا أستاذ عبد التواب المكان هيظلم من بعدك، مين هيصبح علينا بالابتسامة الصافية دي كل يوم. عبد التواب ابتسم ابتسامة هادية وهو بيطبطب على إيد عم حسنين، وقال له البركة في الشباب يا حسنين، المصلحة مش بتقف على حد، وكل واحد بياخد وقته وبيسلم للي بعده. وهى دى سنة وانتى الحياة.
قطع الكلام دخول المدير العام ومعه تورته صغيرة عليها شمعة واحدة برقم ستين. التف الموظفون حوالين المكتب، وعملوا حفلة بسيطة على قد الحال، ضحكوا وافتكروا أوان الزحمة أيام الميزانيات وتقفيل السنة المالية، لما كان عبد التواب بيبات في المصلحة عشان يخلص ميزانية الإدارة وما يروحش بيته غير والدنيا بتشقشق. ألقى الشباب كلمات دافية، وكل واحد افتكر له موقف حنين أو نصيحة طبطبت عليه في أيام ضيقته.
عبد التواب كان بيسمع وهو بيهز رأسه بشكر وامتنان، بس عينيه كانت بتسرح كل شوية من شباك المصلحة اللي بيطل على الحارة المجاورة. كان بيسأل نفسه يا ترى بكرة الساعة تمانية الصبح هكون بعمل إيه. الفراغ اللي جاي ده هيملاه بإيه بعد ما العمر كله اتغزل في السعي والطلب. لما شال الكرتونة تحت باطه ونزل السلم الرخام المأكول، زمايله مشيوا معاه لحد باب الشارع ودعوه بالدموع والأحضان.
خرج عبد التواب للشارع والشمس كانت بتبدأ تميل للغروب. مشي في شوارع الحارة اللي حافظ كل حجر فيها. الحارة كانت صاحية ودافية، أول ما دخلها كان عم صابر الحلاق واقف قدام دكانه وبيهش الدبان بالمنشة، أول ما شافه شايل الكرتونة فهم على طول. نادى عليه وقال له ألف مبروك يا أستاذ عبد التواب، عقبال ما ترتاح وتتهنى، خلاص كده أخدت إجازتك الكبيرة. عبد التواب وقف معاه شوية، وقال له اللـه يبارك فيك يا عم صابر، عقبال ما نفرح بعيالك.
مشي بضعة خطوات، لقي أم سيد قاعدة على كرسي بلاستيك قدام بيتها بتنقي خضار، أول ما شافته دعت له بدعوات طالعين من قلبها وقالت له البيت هيزيد نور بيك يا أستاذ عبد التواب، عقبال ما تفرح بأحمد وتشوف ولاده. الكلمة دي بالذات هبطت على قلبه زي الحجر الدفيان. أحمد. ابنه الوحيد اللي ساب مصر بعد ما اتخرج من هندسة بقاله ست سنين وطلع على الخليج عشان يبني نفسه.
طلع عبد التواب السلم الحجر لحد الدور التالت، فتح الباب بالمفتاح، لقي الشقة هادية وريحة البخور البسيط طالعة من الصالة. أم أحمد كانت قاعدة على الكنبة الخشب وبتقرأ في المصحف، نظارتها نازلة على طرف مناخيرها. أول ما شافته شايل الكرتونة حطت المصحف على الترابيزة وقامت بالعافية، رجليها كانت بتوجعها من روماتيزم السنين. قربت منه وأخدت منه الكرتونة وحطتها على الجنب، وقالت له بصوت دافي حمد اللـه على سلامتك يا أبو أحمد، نورت بيتك يا خويا.
قعد عبد التواب على الكرسي الخيزران المفضل بتاعه في الصالة، وأم أحمد جابت له كوباية المية الساقعة. قعدوا يبصوا لبعض شوية في صمت شريف، صمت الأجواد اللي عاشوا مع بعض شقا الأيام. قال لها خلاص يا أم أحمد، من بكرة مفيش تصحية بدري ولا ميعاد بوسطة، بقيت متفرغ لك تماماً. ضحكت أم أحمد وقالت له ينور البيت يا أبو أحمد، ده الشارع كله كان مستني اليوم ده عشان ترتاح.
بس الراحة اللي كان عبد التواب بيحلم بيها كان فيها غصة صغيرة مش قادرة تتشال من باله. أحمد ابنه، اللي كان بيكلمهم كل أسبوع مرة، كلماته كانت دايماً متقطعة ومستعجلة، وبيقول إنه مشغول في موقع البناء في الصحرا. عبد التواب كان بيحس إن فيه حاجة مستخبية في صوت ابنه، حاجة مش مظبوطة.
في الوقت ده، بعيد آلاف الكيلومترات، كان أحمد واقف في موقع بناء ضخم في وسط الصحرا، الغبار بيغطي خوذته وهدومه، والشمس بتاكل في وشها. أحمد ما كانش عايش في نعيم زي ما الناس فاكرة عن شغل الخليج. أول ما جه استلم شغل في شركة مقاولات صغيرة، عاش في سكن عمال مشترك في منطقة نائية، يشتغل أربعتاشر ساعة في اليوم تحت حرارة الجو، عشان يقدر يبعت لأبوه وأمه مصاريف علاجهم ويسدد الديون اللي كانت على أبوه بسبب مصاريف تعليمه.
في وسط السنة التالتة له في الغربة، وفي المستشفى اللي كان بيراجع فيها جرح في إيده بسبب حادثة شغل صغيرة، اتعرف على مريم. مريم كانت مهندسة ديكور عربية شغالة في نفس المشروع، وقفت جنبه في المستشفى واهتمت بيه لما لقته لوحده ومحدش معاه. مع الأيام، القرب والوحدة والظروف الصعبة قربت بين قلوبهم. اتجوزوا في الهدوء، جواز رسمي وصغير من غير ظيطة ولا معازيم لأن ظروفهم المالية وقتها كانت يا دوبك تكفي مصاريف المعيشة بالسيف.
أحمد ما قالش لأبوه وأمه. مش قسوة منه ولا كره، لكن خوفاً من إنهم يزعلوا إنه اتجوز بعيد عنهم ومن غير ما تحضر أمه وتبل الشربات وتفرح بيه زي ما كانت بتتحاكى قدام جيران الحارة. كان كل يوم بيعدي عليه بيحس بوزن السر ده بيكبس على صدره، وكل ما يكلم أبوه في التليفون ويسمع صوت عبد التواب وهو يدعي له باللـه يا ابني خلي بالك من نفسك ونفسنا نفرح بيك، كان أحمد بيحس إن السكينة بتدخل في قلبه. كان بيأجل الخبر كل إجازة، ويقول لما انزل هقولهم في وشهم واستسمحهم، بس الشغل والمشاريع كانت بتسحبه وبتأجل النزول سنة ورى سنة.
مرت أسابيع على خروج عبد التواب على المعاش. الأيام بقت تمشي ببطء شديد، زي نهر هادي في صيف حر. عبد التواب صحي الصبح، ينزل يصلي الفجر في المسجد الكبير مع عم صابر الحلاق وعم حسنين، يرجع يجيب الفول والطعمية السخنة والعيش البلدي من المخبز اللي في أول الشارع، يقعد يفطر مع أم أحمد، وبعدين يقعد يقرأ الجورنال في البلكونة ويبص على الحارة اللي صاحية وشغالة.
في يوم من أيام الثلاثاء الدافيين، التليفون الأرضي المخطط على الترابيزة الرخام رن. أم أحمد رفعت السماعة وهي بتمسح إيديها بالفوطة. ثواني وصرخت صرخة فرحة هزت البيت أحمد. يا أبو أحمد تعال كلم أحمد.
عبد التواب قام بسرعة ونط قلبه من مكانه. مسك السماعة بصوت بيترعش أزيك يا ابني، عامل إيه يا أحمد، طمني عليك يا حبيبي.
صوت أحمد من الناحية التانية كان طالع فيه نبرة غريبة، مزيج من الفرحة والارتباك المكتوم. قال له ازيك يا بابا، ازيك يا أمي. أنا نازل مصر يا بابا. نازل إجازة خاطفة ثلاث أيام بس، وهكون عندكم يوم الخميس الصبح.
عبد التواب اتسعت عينيه من الفرحة يا ألف نهار أبيض، يا مرحب يا ابني، البيت ينور، ده أمك هتطير من الفرحة.
أحمد سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة متقطعة بابا.. أنا مش نازل لوحدي. أنا نازل ومعايا مريم.. مراتي.
السكوت نزل على الصالة زي التلج. عبد التواب حس إن السماعة تقلت في إيده. مريم مين يا ابني. مراتك ازاى يعني.
أحمد بدأ يتكلم بسرعة، بيكرر الاعتذار وبيشرح إنه اتجوز من سنتين في السكوت بسبب الظروف وانه كان خايف يزعلهم ومش عارف يواجههم بالتليفون، وإنه أخيراً قدر ياخد إجازة قصيرة عشان ييجوا يبوسوا إيديهم ويطلبوا رضاهم.
عبد التواب بلع ريقه بصعوبة. بص لأم أحمد اللي كانت واقفة مستنية الخبر وعينيها مليانة لهفة. عبد التواب بلع ألمه وقال بصوت محروق بس ثابت ماشي يا أحمد، تنوروا يا ابني، بيت أبوك مفتوح لك أنت ومراتك في أي وقت.
لما قفل التليفون، أم أحمد سألته بلهفة فيه إيه يا أبو أحمد، أحمد ماله. عبد التواب قعد على الكرسي وهز رأسه وقال لها بالهداوة أحمد اتجوز يا أم أحمد.. وجايب مراته وجاي يوم الخميس.
أم أحمد قعدت على الأرض من الصدمة. الجوازة اللي كانت بتحلم بيها، الشربات اللي كانت مستنية توزعه على الحارة، الفرح اللي كانت عايزه تعمله في الشارع.. كل ده انطفا بكلمة في التليفون. طارت دموعها على خدودها وقالت ليه يا ابني، ده أنا كنت شايلا لك حتة الصيغة دي عشان أخطب لك بيها، ليه تعمل فينا كده.
عبد التواب نزل على ركبه جنبها وشال إيديها بين إيديه وقال لها هدي نفسك يا أم أحمد. الولد غربته كانت صعبة، والشقى في البلاد دي بياكل العمر. هو استسمحنا وجاي لحد عندنا يبوس إيدينا. احنا أهله، ولو إحنا ما فتحناش دراعاتنا له، مين يفتحهاله. الشارع والأهل مالهمش غير الستر، واللي اتجوزها دي كتر خيرها إنها است وحملت ظروفه في الغربة.
بالليل، الحارة كلها عرفت. عم صابر الحلاق جه وقعد مع عبد التواب على القهوة، وقال له يا أستاذ عبد التواب، الولاد في الغربة بيبقوا مظلومين، وتفكيرهم بيتغير. المهم إنه يرجع لك سالم، وأنت سيد العارفين بالواجب. وأم سيد دخلت عند أم أحمد بتين وخضار وقالت لها يا ختي افرحي برجعته، البنت غريبة ومالهاش حد هنا، خليها تشوف حنية الأم المصرية عشان تعرف إن جوزها متربي في بيت أصول.
يوم الأربعاء، البيت اتقلب ملحمة طوارئ. عبد التواب نزل السوق من الفجر. نزل مع عم صابر ونقوا اللحمة البلدي الحمرا من عند الحلاق الجزار، ونقوا البطاطس المدورة الصافية، والبصل الأحمر الجديد، والبهارات الطازة من عند العطار اللي في السكة. عبد التواب كان بيفاصل ويبتسم، بس جواه شريط من الذكريات بيلف، فاكر لما كان أحمد صغير وبيقف جنبه في المطبخ وهو بيساعد أمه.
في المطبخ الضيق اللي جدرانه متغطية ببابور الجاز القديم والبوتجاز الأربعة شعلة، قعدت أم أحمد رغم وجع ركبتها، وبدأت تجهز الصينية. صينية البطاطس باللحمة، الأكلة اللي كان أحمد بيعشقها وهو صغير، الأكلة اللي كانت أمه بتعملها له في كل نجاح وفي كل عيد. كانت بتقطع البطاطس شرائح متساوية، وتحط البصل المفروم مع الفلفل الأسود والكمون، وتدعكهم بإيديها لحد ما الريحة تطلع وتملى الحارة.
الجيران كانوا داخلين طالعين، أم سيد جايبة طماطم متسبكة، وبنت عم صابر جايبة رز أبيض مغسول ومجهزاة للتسوية. البيت كله كان بريحة الثوم والبصل واللحمة البلدي اللي بتستوي على نار هادية. الدفا اللي كان ناقص البيت رجع تاني، بس دفا محفوف بتوتر مكتوم.. يا ترى البنت الغريبة دي شكلها إيه، وهتقبل عيشتنا وبساطة بيتنا ولا هتبص علينا بعين الغربة.
يوم الخميس الصبح، كانت الشمس طالعة صافية فوق الحارة. عبد التواب لابس القفطان الأبيض النضيف، وقاعد في الصالة، وأم أحمد لابسة طرحتها الشيفون السودا وقاعدة جنبه، إيديها بتفرك في بعض من التوتر. صينية البطاطس كانت محطوطة في الفرن، الريحة الدافية كانت مالية المكان كله وطلعت للشارع.
ساعة الظهر، سمعوا صوت كركرة شنطه سفر على السلم الرخام. عبد التواب قام بسرعة وفتح الباب. أحمد كان واقف على العتبة، وشه متأثر ومجهد من التعب، وجنبه مريم، بنت سمرا جميلة بملامح هادية ولابسة لبس رقيق ومحتشم.
أحمد أول ما شاف أبوه، الشنطة وقعت من إيده ونزل على ركبتيه وباس إيد أبوه ورجله وهو بيبكي سامحني يا بابا، سامحني يا أبا واللـه ما كان قصدي أزعلكم. عبد التواب شاله من على الأرض وحضنه بقوة، ودموعه نزلت على كتف ابنه. أم أحمد طلعت تجري وحضنت ابنها، وبعدين بصت لمريم اللي كانت واقفة خايفة ومترددة. أم أحمد مدت دراعاتها وفتحتهم لمريم وقالت لها تعالي يا بنتي، نورتي بيت أهلك. مريم اترمت في أحضان أم أحمد وبكت من القلب، وداب التلج اللي كان متراكم طول السنين.
دخلوا الصالة وقعدوا. الحارة كانت بتتفرج من الشبابيك، وعم صابر الحلاق طلع ينادي على عبد التواب عشان يسلم على أحمد. أحمد سلم على كل الجيران اللي دخلوا يباركوا ويجيبوا الشربات، والبيت اتملى بالونس والضحك.
لما جه ميعاد الغدا، أم أحمد قامت بهمة مشهودة، وجابت الطبلية الخشب القريبة من الأرض وحطتها في وسط الصالة، وطلعت صينية البطاطس باللحمة وهي بتطلع دخان وريحتها تدوخ، وحطت جنبها طبق الرز الأبيض المكلل بالشعرية والمخلل البلدي.
قعدوا حوالين الطبلية. أحمد مسك المعلقة وبص للصينية، وعينيه دمعت. مريم بصت للصينية بإعجاب وقالت ريحتها تجنن يا طنط، أنا عمر ما شفت أكل بالدفء ده.
أحمد بدأ ياكل بلهفة غريبة، ياكل البطاطس الدايبة واللحمة البلدي المستوية زي المربى، وكان بياكل زي ما كان بياكل وهو *** في إبتدائي بعد يوم لعب طويل في الشارع. الغربة بكل شقاها وبكل قسوتها، والأسوار اللي بناها السر في قلبه، كل ده داب مع أول معلقة من إيد أمه.
قال أحمد وهو بيمسح دموعه يا أمي، أنا أكلت في المطاعم والفنادق أشكال وألوان، بس واللـه العظيم ما دوقت طعم الدفا والأمان غير في الصينية دي. أم أحمد ابتسمت ابتسامة صافية وقالت له بألف هنا وشفا يا حبيبي، الأكل مش باللحمة ولا بالبطاطس يا أحمد، الأكل بالنفس واللمة الحلوة.
في السهرة بالليل، الجيران نزلوا وضيوف الشارع مشيوا، والهدوء سكن الحارة تاني. عبد التواب ومريم وأم أحمد كانوا قاعدين بيتكلموا عن المستقبل وعن إمكانية إن أحمد ومريم يستقروا في مصر قريب بعد ما يسووا شغلهم في الخليج. مريم كانت بتسمع لعبد التواب وهو بيحكي لها عن أيام المصلحة وتاريخ الحارة، وكانت حاسة بإنها لقت عيلة حقيقية مش مجرد أهل زوج.
بعد ما الكل نام، أحمد صحي في نص الليل، نزل من السرير ببطء ومشي في الممر الضل. دخل المطبخ الصغير، لقي عبد التواب قاعد على كرسي خشب صغير قدام البوتجاز، وفي إيده كوباية شاي ببن.
أحمد قرب منه وقعد على الأرض تحت رجلين أبوه. عبد التواب طبطب على شعره وقال له مش عارف تنام يا أحمد.
أحمد قال له المكان هنا دافي أوي يا بابا، أنا كنت ناسي يعني إيه بيت، كنت فاكر إن الفلوس والشغل هما كل حاجة، بس لما قعدت في وسطكم النهاردة عرفت إن العمر بيعدي من غير ما نحس، وإن اللحظات دي هي اللي بتفضل.
عبد التواب ابتسم وقال له يا ابني، الدنيا شقى ولا بد منها، وأنت راجل وشيلت المسؤولية وبنيت نفسك بنفسك وده يشرفني قدام الدنيا كلها. أنا مش زعلان منك يا أحمد، أنا بس كان نفسي أكون جنبك وأنت بتتجوز وأشد على إيدك. بس المهم إنك رجعت لي بالسلامة، وإن البيت ده هيفضل مفتوح لك ولعيالك من بعدي.
أحمد حط رأسه على ركبة أبوه، وعبد التواب بدأ يمسح على شعره ببطء، زي ما كان بيعمل وهو صغير لما كان بيخاف من الضلمة. الصمت كان بيملا المطبخ، وصوت مروحة السقف القديمة كان بيطلع نغمة منتظمة ودافية.
صينية البطاطس كانت فاضلة منها حتة صغيرة في المطبخ، متغطية بصينية ألومنيوم ثانية، شاهدة على إن الحب والمغفرة والدفا الإنساني هما الحقيقة الوحيدة اللي بتعيش في بيوتنا المصرية، وإن أي كسرة في القلب بتدوايها لمة الأهل ولقمة حلال متاكلة برضا ومحبة.
تمت...