الخديوى
سكساوي خبرة
العضوية الذهبيه
كاتب متميز
نودزاوي شاعر
نودزاوي كوميدي
اسطورة نودزاوي
ناشر مجلة
مشرف سابق
عضو
نودزاوي قديم
ناشر قصص
ناقد فني
- إنضم
- 10 نوفمبر 2021
- المشاركات
- 974
- مستوى التفاعل
- 1,199
- الإقامة
- الأسكندرية
- نقاط نودزاوي
- 57,295
- الجنس
- ذكر
- الدولة
- مصر
- توجه جنسي
- أنجذب للإناث
Offline
يوسف ماكانش راجل فضولي بطبعه، بس الجار الجديد كان لغز ماشي على رجلين. سكن الشقة اللي قدامه من تلات شهور، راجل في الأربعينات، وشه شاحب كأنه ماشافش الشمس من سنين، وعينيه على طول متعلقة في السما كأنه مستني إشارة من فوق.
يوسف لاحظ الأول إن باب الشقة اللي قدامه مابيتفتحش ابداً في الأيام المشمسة. لا صوت رجلين على السلم، ولا كيس زبالة قدام الباب، ولا حتى ستارة بتتحرك. الراجل ماكانش بيخرج غير لما السما تمطر جامد، لما الشارع يبقى عامل زي النهر الصغير والناس كلها تستخبى في بيوتها. ساعتها بس، كان يوسف بيشوفه من الشباك: ماشي بالراحة تحت المطر، من غير شمسية، ورافع وشه للسما كأنه بيغسل ذنب قديم.
في الأول افتكره مجرد راجل غريب الأطوار. بس الفضول بدأ ياكله لما لاحظ الحاجة الأغرب: الراجل مابيخرجش غير والمطر شديد لدرجة إن الشوارع بتبقى فاضية خالص، كأنه بيختار اللحظة اللي محدش شايفه فيها. وبعدين يرجع بعد ساعات، هدومه بتنقط مية، وعلى وشه ابتسامة غامضة يوسف مش فاهمها.
وفي ليلة، والمطر نازل يخبط على الشبابيك، يوسف سمع خبط على الباب. فتح، لقى الجار واقف، مبلول لحد عضمه، وفي إيده طبق صغير فيه كحك.
وقال وهو مبتسم. أنا كريم ساكن هنا من فترة ولسه متعرفتش على جيراني. اتفضل، مراتي كانت بتعمل الكحك ده قبل ما... قبل ما تمشي.
يوسف دخله الشقة. كريم قعد جنب الشباك، وعمال يتفرج على المطر بنظرة حنينة، كأنه شايف حبيب قديم. اتكلموا كلام عادي عن الشغل والحياة، لحد ما يوسف سأله السؤال اللي كان حارقه من شهور:
أستاذ كريم، سامحني على الفضول، بس أنا ملاحظ إنك مابتخرجش غير وقت المطر الجامد. في سبب؟
كريم سكت كتير. صوت المطر وقف فجأة كأن السما نفسها كاتمة نفسها عشان تسمع الإجابة. وبعدين ابتسم الابتسامة الغامضة دي وقال:
المطر هو الوقت الوحيد اللي ضلنا مابيظهرش فيه.
يوسف ضحك ضحكة متوترة. ضلنا؟
كريم قاله أيوه ضلنا. في الأيام المشمسة، ضلك ماشي وراك في كل حتة، بيفكرك بكل اللي عملته. لكن تحت المطر الجامد، لما السما تبقى رمادي والدنيا مغيمة، مافيش ضل. بنختفي. بنبقى من غير ماضي.
يوسف حس بقشعريرة في جسمه. كان عايز يسأل أكتر، بس كريم قام فجأة، شكره على الضيافة، وخرج للمطر قبل ما يقف.
في الليالي اللي بعدها، يوسف ماعرفش ينام. جملة كريم كانت بترن في دماغه زي جرس مدرسة مهجورة. بقى يراقبه أكتر. لاحظ إن كريم كل مرة بيخرج لما المطر ينزل بيروح نفس المكان: الجنينة العامة القديمة اللي في آخر الشارع، بيقعد على نفس الكرسي الخشب المكسر تحت المطر، ويفضل قاعد بالساعات، وأحياناً يتكلم بصوت واطي كأنه بيكلم حد قاعد جنبه.
يوسف قرر يمشي وراه في ليلة مطر. لبس بالطو تقيل وخرج وراه من بعيد. شاف كريم قاعد على الكرسي، والمطر بيغسل وشه، وهو بيقول: سامحيني يا ليلى. سامحيني. لو كنت وصلت قبلها بخمس دقايق بس...
يوسف رجع بيته وقلبه بيدق جامد. تاني يوم راح المكتبة ودور في أرشيف الجرايد القديمة. وبعد ساعات تدوير، لقى الخبر: من خمس سنين، في ليلة مطر زي دي بالظبط، حصلت حادثة بشعة في الشارع ده. ليلى، مرات كريم، كانت بتعدي الطريق تحت المطر، فخبطتها عربية مسرعة. وكريم كان متأخر عن معاده معاها خمس دقايق بس. خمس دقايق فرقوا بين الحياة والموت.
يوسف فهم أخيراً. كريم كان بيخرج تحت المطر عشان ده الوقت الوحيد اللي بيحس فيه إنه من غير ضل، من غير ذنب بيطارده. كان بيروح للكرسي اللي كانوا بيقعدوا عليه سوا، عشان يتكلم معاها، ويطلب منها السماح، تحت السما الرمادي اللي بتخبي ضله التقيل.
تاني يوم بالليل، المطر كان نازل جامد. يوسف خبط على باب كريم. الراجل فتح وهو مستغرب.
أستاذ كريم، تسمحلي أخرج معاك الليلة؟
كريم بصله بدهشة، وبعدين ابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة، ابتسامة يوسف ماشافهاش قبل كده.
خرجوا سوا تحت المطر. مشيوا في سكوت لحد الجنينة، وقعدوا على الكرسي الخشب. المطر بيخبط في وشوشهم، ومافيش ضل لأي واحد فيهم على الأرض المبلولة.
كريم قال بعد سكوت طويل: عارف، ليلى كانت بتحب المطر. كانت بتقول إنه بيغسل كل حاجة، حتى الذكريات الوحشة.
يوسف قاله يمكن كان عندها حق. ويمكن جه الوقت تخلي المطر يغسل ضلك انت كمان.
وفي اللحظة دي، المطر وقف فجأة. الغيوم اتشالت، والشمس طلعت لحظات قبل المغرب. وعلى الأرض المبلولة، يوسف شاف ضلين ممدودين جنب بعض. بس كريم ماخافش المرة دي. بص لضله، وبعدين للسما، وابتسم.
كان فهم أخيراً إن الضل مش عدوه. الضل دليل إننا لسه واقفين في النور.
تمـت...