شمس النهار
نارٌ تحرق.. ونورٌ يهدي
نودزاوي شاعر
برنس الصور
برنس الفضفضة
اسطورة نودزاوي
ناشر مجلة
عضو
ناشر محتوي
ناشر قصص
- إنضم
- 5 مارس 2026
- المشاركات
- 4,957
- مستوى التفاعل
- 8,471
- الإقامة
- القاهرة
- نقاط نودزاوي
- 88,335
- الجنس
- أنثي
- الدولة
- مصر
- توجه جنسي
- عدم الإفصاح
Offline
بقلم شمس النهار ☀️ ✍️
في زقاق "النسيان" يضيق الطريق كلما توغلت فيه، حتى يصل بك إلى باب خشبي عتيق تعلوه لافتة نحاسية تآكلت أطرافها، كُتب عليها بخط كوفي متقن: "عِمران.. لترميم ما أفسده الدهر". خلف هذا الباب، لم يكن هناك مجرد دكان، بل كان مخزناً للأعمار؛ مئات الساعات المعلقة على الجدران، كل واحدة منها تدق بإيقاع مختلف، وكأنها سيمفونية عشوائية تعزف لحن الحياة والموت في آن واحد.
كان عِمران يجلس خلف نظارته السميكة، يمسك بملقط دقيق وكأنه جراح يداوي قلباً مفتوحاً. بالنسبة له، الساعة ليست تروساً ونوابض، بل هي "ذاكرة" معدنية، وكان يؤمن يقيناً أن الإنسان حين يحزن بعمق، تتوقف ساعته تضامناً معه، وحين يرتكب خطيئة، يبدأ عقرب الثواني في التعثر.
في ليلة غاب فيها القمر ولف الضباب أركان المدينة، دلف إلى المحل شاب يرتدي معطفاً طويلاً، ملامحه توحي بأنه في الثلاثين، لكن عينيه كانت تروي حكاية رجل عاش قرناً من الزمان. وضع الشاب على الطاولة لُفافة حريرية، وحين فتحها، انبثقت منها ساعة جيب فريدة، مرصعة بحجر ياقوت أحمر في منتصفها، لكن زجاجها كان مهشماً كمرآة تحطمت تحت أقدام القدر. قال الشاب وصوته يحمل بحة غامضة: "يقولون إنك تعيد الوقت إلى الوراء.. أريد لهذه الساعة أن تعمل، ليس لأنني أحب الذهب، بل لأنني علقتُ بداخلها."
فحص عِمران الساعة، فشعر ببرودة غريبة تسري في أصابعه. لم يكن العطل ميكانيكياً فحسب، بل كان "عطلاً في الروح". قضى عِمران ليالي يفكك الأجزاء الدقيقة، وفي كل مرة كان يلمس فيها ترساً، كانت صور من حياة الشاب تمر أمام عينيه كشريط سينمائي قديم؛ رأى الشاب وهو يودع امرأة باكية تحت المطر، رأى حقيبة سفر تُغلق بقسوة، ورأى قطاراً يرحل مخلفاً وراءه غبار الندم.
تضاعف التعقيد حين اكتشف عِمران سراً خطيراً؛ الساعة لم تكن تتحرك لأن بداخلها "رمل" غريب، لم يكن رملاً عادياً، بل كان رماداً لرسائل قديمة لم تُفتح قط. كان الشاب قد حشر رسائل اعتذاره داخل إطار الساعة ظناً منه أنه يحفظها، لكنها كانت الثقل الذي أطبق على أنفاس الزمن.
وبينما كان عِمران غارقاً في الإصلاح، دخل الدكان غريبٌ آخر، يطلب شراء تلك الساعة المحطمة بأي ثمن، مدعياً أنها ملك لعائلته. هنا احتدم الصراع؛ أدرك عِمران أن الساعة ليست مجرد آلة، بل هي "صك غفران" يتصارع عليه الماضي والحاضر. رفض عِمران البيع، فالمهمة لم تكن تجارية، بل كانت استعادة لإنسان ضاع في زحام العقارب.
مضت الأسابيع، ودخلت إلى الدكان في إحدى الأمسيات امرأة عجوز تبحث عن ساعة قديمة، وحين رأت ساعة الشاب على الطاولة، شحب لونها وتمتمت: "هذه الساعة تخص ابني الذي غادر منذ عشر سنوات، قال إنه سيعود حين تدق الساعة الخامسة.. لكن الخامسة لم تأتِ أبداً."
أدرك عِمران أن القدر قد ساق الخيوط كلها إلى ورشته الصغيرة. بمهارة فائقة، قام بتنظيف الرماد، وأعاد بناء النابض الرئيسي، وضبط الوقت بكل دقة. وفي اللحظة التي ركب فيها العقرب الأخير، اهتز الدكان كله، ومئات الساعات على الجدران توقفت عن الدق لثانية واحدة، ثم انطلقت جميعاً في إيقاع واحد موحد، وكأن العالم استعاد نبضه.
عاد الشاب في الموعد المحدد، فدفع له عِمران الساعة وهي تلمع كأنها صُنعت اليوم، وقال له: "الساعة الآن تشير إلى الخامسة إلا دقيقة واحدة.. أمامك ستون ثانية لتصل إلى المحطة القديمة، هناك من ينتظر دقاتها منذ عقد من الزمان."
انطلق الشاب في الشوارع الملتوية، وصلت أنفاسه إلى المحطة مع أول رنة للساعة تعلن تمام الخامسة. هناك، على الرصيف الموحش، كانت السيدة العجوز تنظر إلى القضبان الممتدة. ومع الرنة الأخيرة، التفتت لترى طيف ابنها يتقدم من وسط الضباب. لم يكن لقاءً بالكلمات، بل كان عناقاً اختصر آلاف الساعات من الانتظار، سقطت الساعة من يده على الأرض، لكنها لم تتحطم هذه المرة، بل استمرت في الدوران، معلنةً أن الزمن الذي انكسر قد التأم أخيراً.
في تلك اللحظة، وفي دكانه البعيد، كان عِمران يرتشف قهوته السادة بابتسامة راضية. لقد أدرك أن أعظم إنجازاته لم يكن إصلاح آلة، بل كان منح إنسان فرصة ثانية ليعيش ما تبقى من عمره خارج سجن "الثانية التي توقفت". أغلق عِمران دكانه، ونفخ في سراجه ليطفئه، تاركاً خلفه رائحة الزيت والوقت، وحكاية رجل لم يكن يصلح الساعات، بل كان يعيد ترميم القلوب المحطمة.
خاطرة: "أبجديةُ المَرايا الصَّامتة"
ليس الوجعُ في أنْ نفقدَ ما كنا نملك، بل الوجعُ الحقيقيُّ هو أنْ نعتادَ العيشَ في ظلِّ ذكرياتٍ لم تعدْ تشبهنا. نحنُ أحياناً نصبحُ كالأبوابِ القديمة، نئنُّ من وطأةِ الرياحِ ليس لأننا ضعفاء، بل لأننا نتمسكُ بجدرانٍ تآكلتْ بفعلِ الزمن ولم تعدْ قادرةً على احتضاننا.
إنَّ الوعيَ ليس نُوراً نراهُ في نهايةِ النفق، بل هو تلكَ الجسارةُ التي تجعلنا نُطفئُ مصابيحَ الماضي التي أعمتْ بصائرنا عن جمالِ "الآن". لماذا نقضي أعمارنا في ترميمِ مَرايا مكسورة، بينما السماءُ حولنا تمنحنا بريقاً لا يحتاجُ لإطار؟ ولماذا نكتبُ حكاياتنا بمدادِ الانتظار، بينما الحقيقةُ هي أنَّ القطاراتِ لا تعودُ للوراء، بل نحنُ مَنْ يجبُ أنْ نختارَ الرصيفَ الصحيح؟
الحياةُ لا تُعطي أسرارها للمترددين، بل لأولئك الذين يجرؤون على قول "كفى" لكلِّ ما يستنزفُ نبضهم بلا ثمن. هي رحلةٌ من التخلي قبلَ أنْ تكونَ رحلةً من التملك؛ فلكي نملأَ كؤوسنا بالجديد، لابدَّ من إفراغها أولاً من رواسبِ الأمس.
وفي نهايةِ المطاف، يظلُّ أسمى أنواعِ الانتصار ليس هزيمةَ الآخرين، بل هو تلك اللحظة التي تكتشفُ فيها أنكَ لم تعدْ بحاجةٍ لتفسيرِ صمتك لأحد، لأنَّ روحكَ أخيراً وجدتْ لغتها الخاصة، وصارتْ تُغني للنهار.. لنهارٍ لا يعرفُ الغروب.
قصيدة: "شموخُ الحرف"
دَعِ الأَيَّامَ تَغْدِرُ كَيْفَ شَاءَتْ .. فَإِنَّ الصَّبْرَ شِيمَةُ مَنْ تَعَالى
وَلا تَخْضَعْ لِغَيْرِ ****ِ يَوْمَاً .. فَإِنَّ الـمَرْءَ يَـرْقَى بِالـجَلالا
إِذا عَصَفَتْ بِكَ الأَهْوَاءُ رِيحَاً .. فَكُنْ طَوْداً يُطَاوِلُ مَنْ تَمَالى
رَأَيْتُ العُمْرَ كَالأَحْلامِ تَمْضِي .. وَخَيْرُ الـمَرْءِ مَا حَقَّ المَقَالا
فَلا تَحْفَلْ بِمَنْ خَانُوا جِوَاراً .. وَلا تَأْسَفْ عَلَى مَنْ رَامَ لا لـى
فَإِنَّ الـحُرَّ لا يَشْرِي وِداداً .. إِذا مَا الـوُدُّ فِي الأَسْواقِ مَالا
سَمَوْتُ بِفِكْرِيَ العَالِي فَمَا لِي .. أَرَى نَفْسِي تُحَارِبُ مَنْ تَدَالى؟
أَنَا كَالشَّمْسِ فِي رَبِضِ النَّهَارِ .. إِذا مَا الغَيْمُ عَنْ وَجْهِي اسْتَطَالا
أَصِيغُ الـحَرْفَ كَاليَاقُوتِ نَظْماً .. وَأَنْثُرُهُ إِذا مَا الصَّمْتُ طَالا
فَمَا ضَرَّ السَّحَابَ نُبَاحُ طِينٍ .. وَمَا بَلَغَ الـحَصَى شُمَّ الجِبالا
سَأَمْضِي فِي طَرِيقِي لا أُبَالِي .. بِمَنْ رَجَفُوا، وَمَنْ أَلْقُوا الـحِبَالا
فَإِنَّ الـخَلْدَ لِلأَحْرارِ دَوْمَاً .. وَإِنَّ الصِّدْقَ يَغْلِبُ كُلَّ حَالا
الفيلم اسمه "Mr Indifferent" (السيد لامبالي)، وهو بيناقش إزاي الإنسان ممكن يكون عايش حياته زي "الساعة المعطلة" مش فارق معاه حد، لحد ما بتحصل لحظة بتغير نظرته للوقت وللمساعدة وللحياة كلها
...... الرابط.....
.........
CGI Animated Short Film: "Mr Indifferent" by Aryasb Feiz
التعديل الأخير بواسطة المشرف: