شمس النهار
نارٌ تحرق.. ونورٌ يهدي
العضوية الذهبيه
نودزاوي شاعر
نودزاوي حكيم
نودزاوي كوميدي
برنس الصور
برنس الفضفضة
اسطورة نودزاوي
ناشر مجلة
عضو
ناشر محتوي
ناشر قصص
ناشر صور
- إنضم
- 5 مارس 2026
- المشاركات
- 5,862
- مستوى التفاعل
- 10,786
- الإقامة
- القاهرة
- نقاط نودزاوي
- 150,961
- الجنس
- أنثي
- الدولة
- مصر
- توجه جنسي
- عدم الإفصاح
Offline
حين تمرّد الظل..
الظّل الذي أعادني للحياة..
في الليلة التي ماتت فيها ليلى، لم يبكِ كريم، وقف أمام قبرها بوجه جامد، يتلقى مواساة الآخرين كما يتلقى البحر مطرا لا يعنيه، ثم عاد إلى بيته، ووضع مفاتيحه في مكانها المعتاد، خلع ملابسه السوداء، أعدّ قهوته، وجلس قرب النافذة، وأقنع نفسه بأن الحزن، مثل كل شيء آخر، يمكن احتماله إذا أحسن المرء تنظيم حياته من دونه.
كانت ليلى تقول له دائما إن أكثر ما يُخيفها فيه ليس صمته، بل قدرته على تحويل كل شيء إلى شيء يمكن احتماله.
"أخشى أن يأتي يوم تفقدني فيه، ثم تتصرف كأنك فقدت موعدا لا أكثر".
كان يضحك حين تقول ذلك، ويضمها إليه، ويعدها بأن الموت لن يسرق منهما شيئا ما داما يحبّان بعضهما، لكنه لم يكن يعرف أن بعض الوعود لا يكسرها الموت وحده؛ يكسرها أيضا خوفنا من أن نعيش بعده.
مرّت ثلاثة أشهر..
ثلاثة أشهر لم يفتح فيها خزانتها، ولم يغيّر موضع فنجانها الصغير، ولم يسمح لأحد بأن يذكر اسمها أمامه دون أن يقطع الحديث، كان يعتقد أنه يحفظها بهذه الطريقة، وأن الأشياء تبقى ما دمنا لا نلمسها.
حتى جاء ذلك اليوم الذي تمرّد فيه ظلّه..
كان الضوء يتسلّل من النافذة حين لاحظ كريم أن ظلّه يقف عند الطرف الآخر من الغرفة، بينما كان هو جالسا إلي مكتبه.
ظنّ أن زاوية الشمس تخدعه، فحرّك كرسيه قليلا.
لم يتحرّك الظّل..
رفع يده اليمنى، فأبقى الظّل يديه إلى جانبيه، ثم نهض كريم، فبقي الظّل جالسا على الأرض، مستندا إلى الحائط، ورأسه منحنٍ كما لو كان يحمل حزنا أثقل من أن يُرى.
تراجع كريم مذعورا.
ما الذي يحدث؟!
رفع الظّل رأسه.
ولم يكن وجهه واضحا، لكن كريم أحس بطريقة لا يستطيع تفسيرها، أنه ينظر إلى شخص يعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
ثم نهض الظّل، واتجه نحو باب الغرفة.
توقّف عنده، والتفت إليه، وأشار إلى الممر المؤدي إلى غرفة ليلى.
قال كريم بصوت خافت و مرتعش.
لا..
لكن الظّل لم يتراجع.
قلت لا!..
ضرب كريم الحائط بقبضته، فاهتزّ الإطار المعلّق فوق المكتب، غير أنّ الظّل واصل سيره، متجاوزا باب الغرفة، حتى وقف أمام خزانة ليلى المغلقة.. هناك، وضع كفّه السوداء على الباب الخشبي.. ثم فتحه.
كانت الغرفة كما تركتها ليلى..
كتبها المبعثرة، وشالها البنفسجيّ فوق الكرسي، ونبتة صغيرة قرب النافذة ذبلت وتساقطت ورقاتها، وعلى الكومود بقيت صورة تجمعهما في يوم زفافهما؛ كانت تنظر إليه في الصورة، لا إلى الكاميرا، كأنها كانت تفضّل أن تحفظ وجهه على أن تحفظ اللحظة.
اندفع كريم نحو الظّل، محاولا جذبه بعيدا عن الخزانة، لكن يديه مرّتا خلاله كأنهما تخترقان دخانا باردا.
استدار الظّل نحوه، ثم أشار إلى صندوق خشبي تحت السرير.
عرفه كريم.. كان صندوق رسائل ليلى.
جلس على الأرض، وسحبه بيدين مرتجفتين، وقلب كاد أن يخرج من مكانه، في داخله رسائل قديمة، وصور صغيرة، وأوراق مطوية بعناية، ورسائل لم يقرأها قط.
كانت ليلى تكتب إليه أحيانا حين يعجز الكلام عن الوصول إليه.
فتح الرسالة الأولى.
كريم..
أعرف أنك تحبني، لم أشكّ في ذلك يوما، لكنني أتمنى أحيانا لو أنك تسمح لي بأن أصل إليك حين تتألم، بدلا من أن تبتعد حتى أضطر إلى تخمين المسافة التي ينبغي أن أقطعها كي أجدك.
لا أريد رجلا لا ينكسر، أريد الرجل الذي أحببته، حتى في اللحظات التي لا يعرف فيها كيف ينهض.
توقّف عن القراءة..
كانت الرسالة مؤرّخة قبل عامين، في اليوم الذي فقد فيه كريم والدته، يومها أغلق على نفسه باب الغرفة ثلاثة أيام، ورفض أن تراه ليلى وهو يبكي، وحين حاولت الإقتراب، أخبرها بأنه بخير.
لم يكن بخير..
لكنه كان يظّن أن الحب يعني ألا يرى أحد هشاشته.
فتح رسالة أخرى.
أتذكر أول مرة قلت لي فيها إنك لا تخاف شيئا؟ ضحكت يومها لأن يدك كانت ترتجف وأنت تمسك يدي.
أحببتك لأنك كنت خائفا، ومع ذلك بقيت.
لا أعرف متى أقنعت نفسك أن القوة تعني ألا تحتاج إلى أحد، لكنني أعرف أنني اشتقت إلى الرجل الذي كان يترك خوفه بين يديّ، ثم ينام مُطمئنا.
انحنى كريم، وأسند جبينه إلى الصندوق.
للمرة الأولى منذ موتها، بكى..
لم يكن بكاء هادئا أو مهذبا؛ كان انهيارا كاملا لرجل أمضى عمره في بناء جدران عالية، ثم اكتشف أنه حوّل بيته إلى سجن، وأنّ المرأة التي أحبّها كانت تقف خلف الباب، تطرقه برفق، بينما هو يصرّ على إخبارها بأنه لا يحتاج إلى الخروج.
حين رفع رأسه، كان الظل يقف عند النافذة.
قال كريم بصوت مبحوح أنهكه البكاء.
ماذا تريد مني؟ لقد رحلت، لا أستطيع أن أعيدها.
تحرّك الظل ببطء، ثم أشار إلى صورة الزفاف.
اقترب كريم منها، ورفعها بين يديه.
خلف الصورة، وجد ورقة صغيرة لم يرها من قبل، كُتبت عليها جملة بخط ليلى..
إذا سبقني الرحيل يوما، فلا تجعل غيابي آخر ما تعرفه عن الحب.
جلس على الكرسي، وراح يحدّق في الكلمات طويلا.
ثم التفت إلى الظّل.
أأنت ليلى؟!
لم يجب.
هل جئت لتخبرني أنها كانت تتألم؟ أنني خذلتها؟ أنني لم أحبها كما ينبغي؟.
اهتزّ رأس الظّل ببطء، نافيا.
ثم رفع يده ووضعها على صدره، قبل أن يشير إلى كريم.
وفهم كريم، للمرة الأولى، أنّ الظّل لم يكن ليلى، ولم يكن شبحا من الماضي.
كان الجزء منه الذي ظلّ يحبها دون أن يعرف كيف يعبّر عن ذلك؛ الجزء الذي احتفظ بصوتها في داخله، بينما انشغل هو بإسكات كل ما يمكن أن يؤلمه.
لم يتمرّد الظّل ليعاقبه على حبه الناقص، بل ليمنعه من تحويل الحب إلى قبر آخر.
قال كريم..
لكنني لا أعرف كيف أعيش من دونها.
اقترب الظّل حتى تداخل سواده مع قدميه.
وعلى الحائط، ظهرت حركتهما كأنهما شخص واحد.
للمرة الأولى، لم يشعر كريم بأنه يُطارد من شيء يسكنه.
شعر بأنه يُعاد إليه.
في اليوم التالي، فتح كريم النوافذ، سقى النبتة علّها تُنبت مرة أخرى، وغيّر الماء في المزهرية، ثم أخرج ثياب ليلى من الخزانة، لا ليتخلّص منها، بل ليرتبها كما كانت تحب، وحين رأي وشاحها البنفسجي، رفعه إلى وجهه وأغمض عينيه.
لم يحاول إيقاف دموعه.
لم يقل لنفسه إن عليه أن يكون قويّا، ولم يعتذر عن ضعفه لامرأة لم تعد هنا لتسمعه.
اكتفى بأن ناداها باسمها.
ثم قال..
اشتقت إليكِ.
كانت جملة صغيرة، لكنها احتاجت منه ثلاثة أشهر كي يستطيع قولها بصوت مسموع.
في المساء، وقف أمام النافذة، والمدينة تستعد لليل، كان الضوء ينحسر عن الجدران ببطء، ويترك الأشياء تستعيد أشكالها الأولى.
نظر إلى ظّله عند قدميه.
رفع يده، فرفع الظّل يده معه.
خطا خطوة إلى الأمام، فتقدّم معه.
ثم استدار نحو الباب، ومشى.
تبعه الظّل هذه المرة، لكنه، قبل أن يغادر الضوء الغرفة، التفت إلى صورة ليلى المعلّقة على الحائط، ورفع يده في حركة تشبه الوداع.
ثم توقّف..
نظر إلى الصورة، ثم ابتسم من خلال دموعه، لم يكن متأكدا إن كان قد رأى تلك الحركة حقّا، أم أن قلبه، الذي بدأ يتعلم الكلام من جديد، قد منح الظّل ما لم يمنحه الضوء، لكنه لم يعد بحاجة إلى معرفة الإجابة.
فقد فهم أخيرا أن الوفاء للموتى لا يكون بأن نموت معهم ببطء، ولا بأن نحفظ الأشياء في مواضعها حتى تتجمّد الحياة حول غيابهم؛ بل بأن نسمح للحب الذي تركوه فينا أن يواصل عمله.
بعد عام، كان كريم يسير في الشارع حين لمح امرأة تساعد طفلا صغيرا على النهوض بعد أن تعثّر. انحنت إليه، ومسحت الغبار عن ركبتيه، ثم ابتسمت له حتى ضحك.
توقّف كريم لحظة.
لم يكن المشهد استثنائيّا، لكن شيئا فيه أعاد إليه ليلى؛ طريقتها في التعامل مع الأشياء الصغيرة كأنها تستحق كل هذا الحنان، شعر بالوجع القديم يمرّ بقلبه، لكنه لم يهرب منه.
ابتسم، ثم واصل طريقه.
وعلى الرصيف المقابل، امتدّ ظّله طويلا تحت ضوء الغروب.
كان يتحرّك معه، كما اعتاد دائما.
غير أنه، حين مرّ بجانب مقعد تجلس عليه امرأة تقرأ كتابا، توقّف الظّل لحظة، والتفت نحوها.
توقّف كريم أيضا.
نظر إلى المرأة، ثم إلى ظّله، وابتسم ابتسامة خفيفة.
لم يكن مستعدّا لأن يحبّ أحدا بعد، ولم يكن يعرف إن كان سيأتي يوم يستطيع فيه أن يمنح قلبه من جديد، لكنه لم يعد يخاف الإحتمال.
مدّ يده إلى الضوء، فرأى ظّله يمتد أمامه، لا خلفه.. ومضى.
فربما لا يتمرّد الظّل ليكشف لك من تكون فحسب، بل ليذكّرك بمن كنت قبل أن تقنع نفسك بأن النجاة تعني ألّا تشعر.
وربما كان أكثر ما نحتاج إليه بعد الفقد ليس أن ننسى من أحببنا، بل أن نتعلّم كيف نحبّ الحياة دون أن نشعر بأننا نخونهم.
فالحب الحقيقي لا يطلب منا أن نبقى عند اللحظة الأخيرة، ولا أن نحرس أبواب الغياب إلى الأبد؛ إنه يترك فينا نافذة مفتوحة، ويعلّمنا، وإن تأخرنا كثيرا، كيف نعود إلى الضوء.
الظّل الذي أعادني للحياة..
في الليلة التي ماتت فيها ليلى، لم يبكِ كريم، وقف أمام قبرها بوجه جامد، يتلقى مواساة الآخرين كما يتلقى البحر مطرا لا يعنيه، ثم عاد إلى بيته، ووضع مفاتيحه في مكانها المعتاد، خلع ملابسه السوداء، أعدّ قهوته، وجلس قرب النافذة، وأقنع نفسه بأن الحزن، مثل كل شيء آخر، يمكن احتماله إذا أحسن المرء تنظيم حياته من دونه.
كانت ليلى تقول له دائما إن أكثر ما يُخيفها فيه ليس صمته، بل قدرته على تحويل كل شيء إلى شيء يمكن احتماله.
"أخشى أن يأتي يوم تفقدني فيه، ثم تتصرف كأنك فقدت موعدا لا أكثر".
كان يضحك حين تقول ذلك، ويضمها إليه، ويعدها بأن الموت لن يسرق منهما شيئا ما داما يحبّان بعضهما، لكنه لم يكن يعرف أن بعض الوعود لا يكسرها الموت وحده؛ يكسرها أيضا خوفنا من أن نعيش بعده.
مرّت ثلاثة أشهر..
ثلاثة أشهر لم يفتح فيها خزانتها، ولم يغيّر موضع فنجانها الصغير، ولم يسمح لأحد بأن يذكر اسمها أمامه دون أن يقطع الحديث، كان يعتقد أنه يحفظها بهذه الطريقة، وأن الأشياء تبقى ما دمنا لا نلمسها.
حتى جاء ذلك اليوم الذي تمرّد فيه ظلّه..
كان الضوء يتسلّل من النافذة حين لاحظ كريم أن ظلّه يقف عند الطرف الآخر من الغرفة، بينما كان هو جالسا إلي مكتبه.
ظنّ أن زاوية الشمس تخدعه، فحرّك كرسيه قليلا.
لم يتحرّك الظّل..
رفع يده اليمنى، فأبقى الظّل يديه إلى جانبيه، ثم نهض كريم، فبقي الظّل جالسا على الأرض، مستندا إلى الحائط، ورأسه منحنٍ كما لو كان يحمل حزنا أثقل من أن يُرى.
تراجع كريم مذعورا.
ما الذي يحدث؟!
رفع الظّل رأسه.
ولم يكن وجهه واضحا، لكن كريم أحس بطريقة لا يستطيع تفسيرها، أنه ينظر إلى شخص يعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
ثم نهض الظّل، واتجه نحو باب الغرفة.
توقّف عنده، والتفت إليه، وأشار إلى الممر المؤدي إلى غرفة ليلى.
قال كريم بصوت خافت و مرتعش.
لا..
لكن الظّل لم يتراجع.
قلت لا!..
ضرب كريم الحائط بقبضته، فاهتزّ الإطار المعلّق فوق المكتب، غير أنّ الظّل واصل سيره، متجاوزا باب الغرفة، حتى وقف أمام خزانة ليلى المغلقة.. هناك، وضع كفّه السوداء على الباب الخشبي.. ثم فتحه.
كانت الغرفة كما تركتها ليلى..
كتبها المبعثرة، وشالها البنفسجيّ فوق الكرسي، ونبتة صغيرة قرب النافذة ذبلت وتساقطت ورقاتها، وعلى الكومود بقيت صورة تجمعهما في يوم زفافهما؛ كانت تنظر إليه في الصورة، لا إلى الكاميرا، كأنها كانت تفضّل أن تحفظ وجهه على أن تحفظ اللحظة.
اندفع كريم نحو الظّل، محاولا جذبه بعيدا عن الخزانة، لكن يديه مرّتا خلاله كأنهما تخترقان دخانا باردا.
استدار الظّل نحوه، ثم أشار إلى صندوق خشبي تحت السرير.
عرفه كريم.. كان صندوق رسائل ليلى.
جلس على الأرض، وسحبه بيدين مرتجفتين، وقلب كاد أن يخرج من مكانه، في داخله رسائل قديمة، وصور صغيرة، وأوراق مطوية بعناية، ورسائل لم يقرأها قط.
كانت ليلى تكتب إليه أحيانا حين يعجز الكلام عن الوصول إليه.
فتح الرسالة الأولى.
كريم..
أعرف أنك تحبني، لم أشكّ في ذلك يوما، لكنني أتمنى أحيانا لو أنك تسمح لي بأن أصل إليك حين تتألم، بدلا من أن تبتعد حتى أضطر إلى تخمين المسافة التي ينبغي أن أقطعها كي أجدك.
لا أريد رجلا لا ينكسر، أريد الرجل الذي أحببته، حتى في اللحظات التي لا يعرف فيها كيف ينهض.
توقّف عن القراءة..
كانت الرسالة مؤرّخة قبل عامين، في اليوم الذي فقد فيه كريم والدته، يومها أغلق على نفسه باب الغرفة ثلاثة أيام، ورفض أن تراه ليلى وهو يبكي، وحين حاولت الإقتراب، أخبرها بأنه بخير.
لم يكن بخير..
لكنه كان يظّن أن الحب يعني ألا يرى أحد هشاشته.
فتح رسالة أخرى.
أتذكر أول مرة قلت لي فيها إنك لا تخاف شيئا؟ ضحكت يومها لأن يدك كانت ترتجف وأنت تمسك يدي.
أحببتك لأنك كنت خائفا، ومع ذلك بقيت.
لا أعرف متى أقنعت نفسك أن القوة تعني ألا تحتاج إلى أحد، لكنني أعرف أنني اشتقت إلى الرجل الذي كان يترك خوفه بين يديّ، ثم ينام مُطمئنا.
انحنى كريم، وأسند جبينه إلى الصندوق.
للمرة الأولى منذ موتها، بكى..
لم يكن بكاء هادئا أو مهذبا؛ كان انهيارا كاملا لرجل أمضى عمره في بناء جدران عالية، ثم اكتشف أنه حوّل بيته إلى سجن، وأنّ المرأة التي أحبّها كانت تقف خلف الباب، تطرقه برفق، بينما هو يصرّ على إخبارها بأنه لا يحتاج إلى الخروج.
حين رفع رأسه، كان الظل يقف عند النافذة.
قال كريم بصوت مبحوح أنهكه البكاء.
ماذا تريد مني؟ لقد رحلت، لا أستطيع أن أعيدها.
تحرّك الظل ببطء، ثم أشار إلى صورة الزفاف.
اقترب كريم منها، ورفعها بين يديه.
خلف الصورة، وجد ورقة صغيرة لم يرها من قبل، كُتبت عليها جملة بخط ليلى..
إذا سبقني الرحيل يوما، فلا تجعل غيابي آخر ما تعرفه عن الحب.
جلس على الكرسي، وراح يحدّق في الكلمات طويلا.
ثم التفت إلى الظّل.
أأنت ليلى؟!
لم يجب.
هل جئت لتخبرني أنها كانت تتألم؟ أنني خذلتها؟ أنني لم أحبها كما ينبغي؟.
اهتزّ رأس الظّل ببطء، نافيا.
ثم رفع يده ووضعها على صدره، قبل أن يشير إلى كريم.
وفهم كريم، للمرة الأولى، أنّ الظّل لم يكن ليلى، ولم يكن شبحا من الماضي.
كان الجزء منه الذي ظلّ يحبها دون أن يعرف كيف يعبّر عن ذلك؛ الجزء الذي احتفظ بصوتها في داخله، بينما انشغل هو بإسكات كل ما يمكن أن يؤلمه.
لم يتمرّد الظّل ليعاقبه على حبه الناقص، بل ليمنعه من تحويل الحب إلى قبر آخر.
قال كريم..
لكنني لا أعرف كيف أعيش من دونها.
اقترب الظّل حتى تداخل سواده مع قدميه.
وعلى الحائط، ظهرت حركتهما كأنهما شخص واحد.
للمرة الأولى، لم يشعر كريم بأنه يُطارد من شيء يسكنه.
شعر بأنه يُعاد إليه.
في اليوم التالي، فتح كريم النوافذ، سقى النبتة علّها تُنبت مرة أخرى، وغيّر الماء في المزهرية، ثم أخرج ثياب ليلى من الخزانة، لا ليتخلّص منها، بل ليرتبها كما كانت تحب، وحين رأي وشاحها البنفسجي، رفعه إلى وجهه وأغمض عينيه.
لم يحاول إيقاف دموعه.
لم يقل لنفسه إن عليه أن يكون قويّا، ولم يعتذر عن ضعفه لامرأة لم تعد هنا لتسمعه.
اكتفى بأن ناداها باسمها.
ثم قال..
اشتقت إليكِ.
كانت جملة صغيرة، لكنها احتاجت منه ثلاثة أشهر كي يستطيع قولها بصوت مسموع.
في المساء، وقف أمام النافذة، والمدينة تستعد لليل، كان الضوء ينحسر عن الجدران ببطء، ويترك الأشياء تستعيد أشكالها الأولى.
نظر إلى ظّله عند قدميه.
رفع يده، فرفع الظّل يده معه.
خطا خطوة إلى الأمام، فتقدّم معه.
ثم استدار نحو الباب، ومشى.
تبعه الظّل هذه المرة، لكنه، قبل أن يغادر الضوء الغرفة، التفت إلى صورة ليلى المعلّقة على الحائط، ورفع يده في حركة تشبه الوداع.
ثم توقّف..
نظر إلى الصورة، ثم ابتسم من خلال دموعه، لم يكن متأكدا إن كان قد رأى تلك الحركة حقّا، أم أن قلبه، الذي بدأ يتعلم الكلام من جديد، قد منح الظّل ما لم يمنحه الضوء، لكنه لم يعد بحاجة إلى معرفة الإجابة.
فقد فهم أخيرا أن الوفاء للموتى لا يكون بأن نموت معهم ببطء، ولا بأن نحفظ الأشياء في مواضعها حتى تتجمّد الحياة حول غيابهم؛ بل بأن نسمح للحب الذي تركوه فينا أن يواصل عمله.
بعد عام، كان كريم يسير في الشارع حين لمح امرأة تساعد طفلا صغيرا على النهوض بعد أن تعثّر. انحنت إليه، ومسحت الغبار عن ركبتيه، ثم ابتسمت له حتى ضحك.
توقّف كريم لحظة.
لم يكن المشهد استثنائيّا، لكن شيئا فيه أعاد إليه ليلى؛ طريقتها في التعامل مع الأشياء الصغيرة كأنها تستحق كل هذا الحنان، شعر بالوجع القديم يمرّ بقلبه، لكنه لم يهرب منه.
ابتسم، ثم واصل طريقه.
وعلى الرصيف المقابل، امتدّ ظّله طويلا تحت ضوء الغروب.
كان يتحرّك معه، كما اعتاد دائما.
غير أنه، حين مرّ بجانب مقعد تجلس عليه امرأة تقرأ كتابا، توقّف الظّل لحظة، والتفت نحوها.
توقّف كريم أيضا.
نظر إلى المرأة، ثم إلى ظّله، وابتسم ابتسامة خفيفة.
لم يكن مستعدّا لأن يحبّ أحدا بعد، ولم يكن يعرف إن كان سيأتي يوم يستطيع فيه أن يمنح قلبه من جديد، لكنه لم يعد يخاف الإحتمال.
مدّ يده إلى الضوء، فرأى ظّله يمتد أمامه، لا خلفه.. ومضى.
فربما لا يتمرّد الظّل ليكشف لك من تكون فحسب، بل ليذكّرك بمن كنت قبل أن تقنع نفسك بأن النجاة تعني ألّا تشعر.
وربما كان أكثر ما نحتاج إليه بعد الفقد ليس أن ننسى من أحببنا، بل أن نتعلّم كيف نحبّ الحياة دون أن نشعر بأننا نخونهم.
فالحب الحقيقي لا يطلب منا أن نبقى عند اللحظة الأخيرة، ولا أن نحرس أبواب الغياب إلى الأبد؛ إنه يترك فينا نافذة مفتوحة، ويعلّمنا، وإن تأخرنا كثيرا، كيف نعود إلى الضوء.