كانت الشمس في طريقها للغروب، تنعكس ألوانها على مياه النيل بهدوء، وسلمى جالسة على ضفة النهر، ترسم لوحة جديدة.
أمها "أم فاطمة" نادت عليها من بعيد:
– "يلا يا بنتي… العشا جاهز، وأبوك راجع من الصيد."
سلمى: "خلاص يا أمي، دقيقتين وأجي."
سلمى بنت في أوائل العشرينات، عيونها واسعة فيها لمعة براءة، تحب الرسم والهدوء، وتجد في ألوان الغروب عالمها الخاص. والدها "عم جابر" صياد قديم، رجل صلب لكن قلبه طيب، ووالدتها معروفة في القرية بخبز العيش البلدي في فرن الطين وبيعه في السوق.
في نفس القرية عاش "كريم"، شاب أسمر البشرة، مفتول العضلات من شغل النجارة، بيته ملاصق تقريبًا لبيت سلمى. كان يعرفها منذ الطفولة، شاركها الضحك ولعب الطفولة، لكنه مع مرور السنوات بدأ قلبه يميل إليها، وظل يكتم مشاعره خوفًا من أن تخسره حتى كصديقة.
*(وصول الغريب)
ذات يوم، ظهرت عربة أجرة عند مدخل القرية، ونزل منها شاب أنيق يرتدي بدلة رمادية ويحمل حقيبة جلدية. اسمه "فارس"، قال لأهل البيت القديم قرب النهر إنه يريد استئجاره لبضعة أشهر لأنه كاتب يبحث عن الهدوء ليكمل روايته.
الناس في القرية رحبوا به، لكن ظلت نظرات الفضول تلاحقه، خاصة أن ملابسه ولهجته مختلفة.
بعد أيام، وأثناء أن كانت سلمى ترسم قرب النهر، مر فارس وألقى السلام:
– "السلام عليكم… رسامة ماهرة، واضح من هنا."
ابتسمت بخجل: "وعليكم السلام… هو الرسم مجرد هواية."
– "الهواية هي البداية، صدقيني… أنا أكتب الروايات، وممكن نعمل معرض كتاب ورسوم مع بعض."
بدأت بينهما أحاديث بسيطة كلما التقيا عند النهر، عن الرسم، والكتب، وعن المدن التي زارها فارس.
*(الغيرة الصامتة)
كريم كان يمر كل يوم من عند النهر في طريقه للورشة، ولاحظ لقاءات سلمى وفارس. كان قلبه يشتعل بالغيرة، لكنه لم يعلق خوفاً من ان يخسر سلمى ،ولكنه كان يكتفي بإلقاء التحية:
– "إزيك يا سلمى… محتاجة حاجة للبيت من السوق؟"
– "شكرا يا كريم… كله تمام."
لكنه في داخله كان يقول: "هو مين ده اللي دخل حياتها فجأة؟"
(الحادثة التي غيّرت كل شيء)
ليلة شتوية، المطر يهطل بغزارة، والرياح تعصف بالنيل. خرج عم جابر في رحلة صيد، لكن القارب انقلب بفعل الموج.
عندما سمع كريم بالصوت، جرى نحو النهر بلا تردد، وقفز في المياه لإنقاذه.
فارس كان على الشاطئ، ساعد في سحب القارب وإحضار الحبال، حتى نجحوا في إخراج عم جابر وهو يرتجف من البرد.
أم فاطمة وهي تبكي: "**** يجازيكم خير يا ولادي… أنقذتوا جابر."
كريم وهو يلهث: "الحمد لله، أهم حاجة إنه بخير."
بعد الحادثة، شعرت سلمى أن كريم لم يتردد لحظة في المخاطرة بحياته، وأنه كان دائمًا موجودًا وقت الشدة.
جلست معه عند النهر ذات صباح:
– "كريم… أنا عارفة إنك طول عمرك واقف جنبي… ومش محتاجة أفكر كتير عشان أعرف إني بحبك."
ابتسم كريم ابتسامة واسعة لأول مرة منذ زمن: "وأنا عمري ما حبيت غيرك يا سلمى."
في نفس اليوم، جاء فارس ليودع القرية، بعد أن عرف من كبار السن أن والده سامح عائلته قبل أن يموت، وأن الماضي قد انتهى.
– "سلمى… أنا سعيد إني عرفتك، وأتمنى لك السعادة… مع من يستحقك."
ورحل فارس، تاركًا خلفه ذكرى عابرة وحكاية لم تكتمل.
وبعد اشهر قليلة.....
- تزوجت سلمى بكريم ، واستمرت حياتهما على ضفة النيل، حيث كل غروب يذكرهما بأن الحب الحقيقي لا يأتي من الكلمات الجميلة فقط، بل من المواقف التي تثبت صدق القلب.