شمس النهار
نارٌ تحرق.. ونورٌ يهدي
العضوية الذهبيه
نودزاوي شاعر
نودزاوي حكيم
نودزاوي كوميدي
برنس الصور
برنس الفضفضة
اسطورة نودزاوي
ناشر مجلة
عضو
ناشر محتوي
ناشر قصص
ناشر صور
- إنضم
- 5 مارس 2026
- المشاركات
- 6,171
- مستوى التفاعل
- 11,189
- الإقامة
- القاهرة
- نقاط نودزاوي
- 173,454
- الجنس
- أنثي
- الدولة
- مصر
- توجه جنسي
- عدم الإفصاح
Offline
حين لا يعود الألم قادرا على البكاء.. لم تكن هدى امرأة عابرة في حياة زوجها، ولم يكن زواجهما تقليديّا بدأ بقرار عائلي وانتهى بعشرة الأيام، لقد أحبّته قبل أن يصبح زوجها، وانتظرته طويلا، وحاربت من أجل أن يجمعهما بيت واحد، كانت ترى فيه الرجل الذي اختاره قلبها من بين رجال العالم، وكانت تظن أن الحب الذي يبدأ بكل ذلك الشغف لا يمكن أن تنال منه الأيام، وأن العشرة حين تطول تصبح عهدا لا يحتاج إلى تجديد.
في سنواتهما الأولى، كانت هدى تحبه بطريقة تجعل التفاصيل الصغيرة أعيادا، كانت تنتظر عودته، تحفظ مواعيد انشغاله، وتعرف من نبرة صوته إن كان متعبا أو مثقلا بشيء، كان البيت بالنسبة إليها أكثر من جدران وأثاث؛ كان الحلم الذي وصلت إليه بعد طول انتظار، وكانت تعتقد أن أجمل ما في العمر أن يجد الإنسان شخصا يعود إليه مهما ابتعدت به الطرق.
لكن الحياة لا تستأذن أحلامنا قبل أن تعبث بها.
اكتشفت ذات مساء أنه تزوج بأخرى، لم يكن الخبر مجرد صدمة امرأة اكتشفت أن زوجها اختار امرأة غيرها، بل كان انهيارا لمعنى كامل عاشت عمرها تصدقه، كيف لرجل أحبته بهذا القدر، وشاركته تفاصيل عمرها، أن يعود إلى البيت وكأن شيئا لم يتغير، بينما هناك امرأة أخرى أصبحت شريكة في شيء كانت تظنه خاصا بها؟
في البداية لم تستوعب هدى الأمر، كانت تسأله كثيرا، تعاتبه، تبكي، وتفتش في وجهه عن إجابة تعيد إليها شيئا من طمأنينتها القديمة، كانت تغضب من أبسط تصرفاته، وتثور حين يتأخر، وتنهار حين تشعر أنه يمنح الأخرى اهتماما كان يوما لها وحدها.
لم يعد الخلافات مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل صار وسيلة لإسكاتها، وصارت مشاعرها مادة للسخرية، وبدلا من أن يعتذر عن وجع تسبب فيه، كان يتهمها بالمبالغة، ويخبرها أنها لا تفهم طبيعة الحياة، وأن عليها أن تتقبل الأمر وتنتهي من هذه الحكاية.
كانت تترك البيت كلما ضاقت بها جدرانه، تحمل حقيبتها وبعض ثيابها، وتذهب إلى بيت أهلها، تقسم في كل مرة أنها لن تعود، ثم تعود بعد أيام أو أسابيع؛ لا لأنها نسيت، بل لأنها كانت لا تزال تحبه، ولأن جزءا منها كان ينتظر أن يفيق الرجل الذي أحبته يوما، وأن يدرك أن قلبا ظلّ وفيّا له كل هذه السنوات يستحق منه شيئا من الرحمة.
لكن لم يفق.. ولم تعد تبالي.
ومع كل عودة، كانت هدى تترك شيئا منها خلفها، مرة تركت قدرتها على البكاء أمامه، ومرة تركت رغبتها في العتاب، ومرة توقفت عن السؤال عن وجهته، ومرة لم تعد تنتظر عودته لتبدأ يومها.
حتى جاء ذلك اليوم أثناء أحد شجاراتهما والتي أصبحت جزءا من الأيام، و الذي أخبرها في ببرود لم تعد تستغربه، أنه حقه وأن ماحدث أصبح واقعا لن يتغير وأنها تفتعل مشاكل من لا شئ.
نظرت إليه طويلا.
كان ينتظر عاصفة، أو دموعا، أو اعتراضا، أو حتى صرخة تحفظ له شيئا من شعوره بأنه لا يزال قادرا على إيلامها.
لكنها لم تفعل شيئا.
قالت بهدوء.. معك حق، ولتفعل ما تشاء.
ثم عادت إلى ما كانت تفعله.
لم يكن ذلك انتصارا، ولم يكن تسامحا، ولم تكن قد تجاوزت ما حدث، كان ثمة شيء غريب قد استقر داخلها، شيء لم تعرف كيف تسميه، لم تعد تشعر بالغيرة، ولم تعد تقارن نفسها بالنساء الأخريات، ولم تعد تسأل لماذا اختارهن ولماذا لم يعد يراها كما كان.
حتى حين تعلم أنه معها، لم يعد يتحرك فيها شيء.
لم تبكِ، لم تغضب، ولم تشعر حتى بالرغبة في معرفة التفاصيل.
كانت تسمع أخباره كما تسمع أخبار شخص تعرفه، لا شخصا كان يوما مركز عالمها.
والأغرب أنها لم تكن سعيدة أيضا.
لم تكن امرأة استعادت حياتها، ولا امرأة انتصرت على جرحها، بل كانت امرأة فقدت قدرتها على التأثر بما كان يهزّ كيانها يوما، صار بإمكانها أن تجلس معه إلى مائدة واحدة، وأن تتحدث عن احتياجات البيت، وأن تسأله عن بعض الأمور اليومية، دون أن يشغلها أين ذهب، أو مع من كان، أو لمن ابتسم.
ذات مساء، كانت تجلس أمام المرآة تمشط شعرها، فدخل زوجها وسألها مستغربا..
ألن تسأليني أين كنت أو لماذا تأخرت؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت..
وهل هناك شيء لم تعد تعرف كيف تفعله دون أن تخبرني؟
ظل ينظر إليها، ثم قال
لقد تغيرتِ كثيرا يا هدى.
توقفت عن تمشيط شعرها، وتأملت وجهها في المرآة قبل أن تجيبه..
لا، أنا لم أتغير فجأة، أنت فقط لم تلاحظ كم مرة انكسرت أمامك، وكم مرة عدت إليك وأنا أحمل بقايا امرأة كانت تحبك، لقد كنت أصرخ لأنني كنت أريدك أن تسمعني، وأعاتب لأنني كنت أرجو أن يهمك حزني، وأغار لأنني كنت أظن أن لي مكانا لا ينازعني فيه أحد.. أما الآن، فلا أعرف ماذا حدث لي بالضبط، لكنني لم أعد أملك الرغبة في استجداء شعور لم يعد موجودا.
ثم أضافت بصوت خفيض..
أتدري ما الذي يخيفني؟ أنني لم أعد أحزن حتى على الأشياء التي كانت تقتلني من الداخل، لا أعرف إن كنت قد سامحتك، أو نسيت، أو تعافيت، لكنني أعرف أنني لم أعد أنتظر منك شيئا. وربما كانت هذه أقسى نهاية لحكاية حب؛ أن يبقى أصحابها في البيت نفسه، بينما يموت كل ما كان يجعلهم يشعرون بأنهم معا.
في تلك الليلة، لم تنم هدى مبكرا.
وقفت عند النافذة طويلا، تتأمل الشارع الذي شهد بداياتهما، وتذكرت الفتاة التي كانت ترتب ثيابها بحماس قبل عودته، وتختار العطر الذي يحبه، وتؤجل نومها كي لا يفوتهما حديث آخر قبل نهاية اليوم.
ابتسمت لها بحزن.
لم يكن زوجها قد أصبح أقل قسوة، ولم تكن الحكاية قد انتهت، ولم تكن جراحها قد التأمت، كل ما في الأمر أن قلبها توقف عن الوقوف أمام بابه منتظرا اعتذارا.
فبعض النساء لا يتركن بيوتهن حين ينتهي الحب، ولا يرفعن أصواتهن حين ينكسرن للمرة الأخيرة؛ إنهن يبقين في أماكنهن، يؤدين واجباتهن، ويبتسمن عند الضرورة، بينما يحدث داخلهن انسحاب هادئ لا يراه أحد.
وربما لا تكون اللامبالاة دائمًا دليلا على القوة أو التعافي؛ أحيانا تكون آخر ما يتبقى للإنسان حين يُستنزف منه الحزن، وحين يكتشف أن الألم الذي لم يجد من يحتويه قد فقد حتى رغبته في التعبير عن نفسه.
لقد ظن زوج هدى أن صمتها يعني أنها تقبّلت الأمر، ولم يفهم أن المرأة التي كانت تحاربه كي يبقى، لم تعد تحاربه لأنه لم يعد يعني لها ما كان يعنيه.
لم يخسر هدى يوم تزوج عليها، بل خسرها في كل مرة عادت إليه مكسورة، فاستقبل انكسارها بإهانة جديدة.. حتى عادت ذات يوم، ولم يعد في داخلها شيء يستحق أن ينكسر.
ربما لم تتعافَ كما تظن، وربما لم تكن كل تلك السنوات التي مضت كافية لمحو ما تركته الأيام في روحها، هي فقط أصبحت أكثر قدرة على إخفاء ما يؤلمها، وأكثر براعة في التظاهر بأن الأمور لم تعد تعنيها، تعلّمت كيف تعبر الأماكن التي كسرتها دون أن تلتفت، وكيف تبتسم في وجوه الذين لا يعرفون شيئا عن معاركها، وكيف تتحدث عن أشياء عادية بينما في داخلها حكايات لم تجد يوما طريقها إلى البوح.
لقد نضجت بما يكفي لتدرك أن الحياة لا تمنحنا دائما فرصة لترميم ما تهدّم، ولا تنتظر حتى نلتقط أنفاسنا قبل أن تلقي على عاتقنا مزيدا من الأعباء، لذلك مضيت، لا لأنها تجاوزت، بل لأن التوقف لم يكن خيارا، ارتديت هدوءا لا يشبهها، وابتسامات لا تكشف حقيقتها، وأتقنت فن الإجابة بكلمة بخير حتى حين كانت عينيها تضجّ بما لا يُقال.
والأكثر قسوة أنها اعتادت هذا التناقض؛ أن تبدو بخير وهي ليست كذلك، وأن تؤدي أدوارها اليومية بإتقان بينما هناك جزء فيها ما زال عالقا عند لحظة قديمة، ينتظر اعتذارا لم يأتِ، أو تفسيرا لم حدث، أو عودة شيء تعرف في أعماقها أنه لن يعود أبدا.
ولعل أكثر ما يوجع في قصتها أنها لم تعد تنتظر منه أن يختارها، ولا أن يعتذر، ولا حتى أن يحبها كما كان.
لقد توقفت عن المنافسة، لا لأنها ضمنت مكانتها، بل لأنها لم تعد تريد مكانا في قلب يضطرها كل يوم إلى إثبات أنها تستحقه.
شمس النهار 🌞✍🏻
في سنواتهما الأولى، كانت هدى تحبه بطريقة تجعل التفاصيل الصغيرة أعيادا، كانت تنتظر عودته، تحفظ مواعيد انشغاله، وتعرف من نبرة صوته إن كان متعبا أو مثقلا بشيء، كان البيت بالنسبة إليها أكثر من جدران وأثاث؛ كان الحلم الذي وصلت إليه بعد طول انتظار، وكانت تعتقد أن أجمل ما في العمر أن يجد الإنسان شخصا يعود إليه مهما ابتعدت به الطرق.
لكن الحياة لا تستأذن أحلامنا قبل أن تعبث بها.
اكتشفت ذات مساء أنه تزوج بأخرى، لم يكن الخبر مجرد صدمة امرأة اكتشفت أن زوجها اختار امرأة غيرها، بل كان انهيارا لمعنى كامل عاشت عمرها تصدقه، كيف لرجل أحبته بهذا القدر، وشاركته تفاصيل عمرها، أن يعود إلى البيت وكأن شيئا لم يتغير، بينما هناك امرأة أخرى أصبحت شريكة في شيء كانت تظنه خاصا بها؟
في البداية لم تستوعب هدى الأمر، كانت تسأله كثيرا، تعاتبه، تبكي، وتفتش في وجهه عن إجابة تعيد إليها شيئا من طمأنينتها القديمة، كانت تغضب من أبسط تصرفاته، وتثور حين يتأخر، وتنهار حين تشعر أنه يمنح الأخرى اهتماما كان يوما لها وحدها.
لم يعد الخلافات مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل صار وسيلة لإسكاتها، وصارت مشاعرها مادة للسخرية، وبدلا من أن يعتذر عن وجع تسبب فيه، كان يتهمها بالمبالغة، ويخبرها أنها لا تفهم طبيعة الحياة، وأن عليها أن تتقبل الأمر وتنتهي من هذه الحكاية.
كانت تترك البيت كلما ضاقت بها جدرانه، تحمل حقيبتها وبعض ثيابها، وتذهب إلى بيت أهلها، تقسم في كل مرة أنها لن تعود، ثم تعود بعد أيام أو أسابيع؛ لا لأنها نسيت، بل لأنها كانت لا تزال تحبه، ولأن جزءا منها كان ينتظر أن يفيق الرجل الذي أحبته يوما، وأن يدرك أن قلبا ظلّ وفيّا له كل هذه السنوات يستحق منه شيئا من الرحمة.
لكن لم يفق.. ولم تعد تبالي.
ومع كل عودة، كانت هدى تترك شيئا منها خلفها، مرة تركت قدرتها على البكاء أمامه، ومرة تركت رغبتها في العتاب، ومرة توقفت عن السؤال عن وجهته، ومرة لم تعد تنتظر عودته لتبدأ يومها.
حتى جاء ذلك اليوم أثناء أحد شجاراتهما والتي أصبحت جزءا من الأيام، و الذي أخبرها في ببرود لم تعد تستغربه، أنه حقه وأن ماحدث أصبح واقعا لن يتغير وأنها تفتعل مشاكل من لا شئ.
نظرت إليه طويلا.
كان ينتظر عاصفة، أو دموعا، أو اعتراضا، أو حتى صرخة تحفظ له شيئا من شعوره بأنه لا يزال قادرا على إيلامها.
لكنها لم تفعل شيئا.
قالت بهدوء.. معك حق، ولتفعل ما تشاء.
ثم عادت إلى ما كانت تفعله.
لم يكن ذلك انتصارا، ولم يكن تسامحا، ولم تكن قد تجاوزت ما حدث، كان ثمة شيء غريب قد استقر داخلها، شيء لم تعرف كيف تسميه، لم تعد تشعر بالغيرة، ولم تعد تقارن نفسها بالنساء الأخريات، ولم تعد تسأل لماذا اختارهن ولماذا لم يعد يراها كما كان.
حتى حين تعلم أنه معها، لم يعد يتحرك فيها شيء.
لم تبكِ، لم تغضب، ولم تشعر حتى بالرغبة في معرفة التفاصيل.
كانت تسمع أخباره كما تسمع أخبار شخص تعرفه، لا شخصا كان يوما مركز عالمها.
والأغرب أنها لم تكن سعيدة أيضا.
لم تكن امرأة استعادت حياتها، ولا امرأة انتصرت على جرحها، بل كانت امرأة فقدت قدرتها على التأثر بما كان يهزّ كيانها يوما، صار بإمكانها أن تجلس معه إلى مائدة واحدة، وأن تتحدث عن احتياجات البيت، وأن تسأله عن بعض الأمور اليومية، دون أن يشغلها أين ذهب، أو مع من كان، أو لمن ابتسم.
ذات مساء، كانت تجلس أمام المرآة تمشط شعرها، فدخل زوجها وسألها مستغربا..
ألن تسأليني أين كنت أو لماذا تأخرت؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت..
وهل هناك شيء لم تعد تعرف كيف تفعله دون أن تخبرني؟
ظل ينظر إليها، ثم قال
لقد تغيرتِ كثيرا يا هدى.
توقفت عن تمشيط شعرها، وتأملت وجهها في المرآة قبل أن تجيبه..
لا، أنا لم أتغير فجأة، أنت فقط لم تلاحظ كم مرة انكسرت أمامك، وكم مرة عدت إليك وأنا أحمل بقايا امرأة كانت تحبك، لقد كنت أصرخ لأنني كنت أريدك أن تسمعني، وأعاتب لأنني كنت أرجو أن يهمك حزني، وأغار لأنني كنت أظن أن لي مكانا لا ينازعني فيه أحد.. أما الآن، فلا أعرف ماذا حدث لي بالضبط، لكنني لم أعد أملك الرغبة في استجداء شعور لم يعد موجودا.
ثم أضافت بصوت خفيض..
أتدري ما الذي يخيفني؟ أنني لم أعد أحزن حتى على الأشياء التي كانت تقتلني من الداخل، لا أعرف إن كنت قد سامحتك، أو نسيت، أو تعافيت، لكنني أعرف أنني لم أعد أنتظر منك شيئا. وربما كانت هذه أقسى نهاية لحكاية حب؛ أن يبقى أصحابها في البيت نفسه، بينما يموت كل ما كان يجعلهم يشعرون بأنهم معا.
في تلك الليلة، لم تنم هدى مبكرا.
وقفت عند النافذة طويلا، تتأمل الشارع الذي شهد بداياتهما، وتذكرت الفتاة التي كانت ترتب ثيابها بحماس قبل عودته، وتختار العطر الذي يحبه، وتؤجل نومها كي لا يفوتهما حديث آخر قبل نهاية اليوم.
ابتسمت لها بحزن.
لم يكن زوجها قد أصبح أقل قسوة، ولم تكن الحكاية قد انتهت، ولم تكن جراحها قد التأمت، كل ما في الأمر أن قلبها توقف عن الوقوف أمام بابه منتظرا اعتذارا.
فبعض النساء لا يتركن بيوتهن حين ينتهي الحب، ولا يرفعن أصواتهن حين ينكسرن للمرة الأخيرة؛ إنهن يبقين في أماكنهن، يؤدين واجباتهن، ويبتسمن عند الضرورة، بينما يحدث داخلهن انسحاب هادئ لا يراه أحد.
وربما لا تكون اللامبالاة دائمًا دليلا على القوة أو التعافي؛ أحيانا تكون آخر ما يتبقى للإنسان حين يُستنزف منه الحزن، وحين يكتشف أن الألم الذي لم يجد من يحتويه قد فقد حتى رغبته في التعبير عن نفسه.
لقد ظن زوج هدى أن صمتها يعني أنها تقبّلت الأمر، ولم يفهم أن المرأة التي كانت تحاربه كي يبقى، لم تعد تحاربه لأنه لم يعد يعني لها ما كان يعنيه.
لم يخسر هدى يوم تزوج عليها، بل خسرها في كل مرة عادت إليه مكسورة، فاستقبل انكسارها بإهانة جديدة.. حتى عادت ذات يوم، ولم يعد في داخلها شيء يستحق أن ينكسر.
ربما لم تتعافَ كما تظن، وربما لم تكن كل تلك السنوات التي مضت كافية لمحو ما تركته الأيام في روحها، هي فقط أصبحت أكثر قدرة على إخفاء ما يؤلمها، وأكثر براعة في التظاهر بأن الأمور لم تعد تعنيها، تعلّمت كيف تعبر الأماكن التي كسرتها دون أن تلتفت، وكيف تبتسم في وجوه الذين لا يعرفون شيئا عن معاركها، وكيف تتحدث عن أشياء عادية بينما في داخلها حكايات لم تجد يوما طريقها إلى البوح.
لقد نضجت بما يكفي لتدرك أن الحياة لا تمنحنا دائما فرصة لترميم ما تهدّم، ولا تنتظر حتى نلتقط أنفاسنا قبل أن تلقي على عاتقنا مزيدا من الأعباء، لذلك مضيت، لا لأنها تجاوزت، بل لأن التوقف لم يكن خيارا، ارتديت هدوءا لا يشبهها، وابتسامات لا تكشف حقيقتها، وأتقنت فن الإجابة بكلمة بخير حتى حين كانت عينيها تضجّ بما لا يُقال.
والأكثر قسوة أنها اعتادت هذا التناقض؛ أن تبدو بخير وهي ليست كذلك، وأن تؤدي أدوارها اليومية بإتقان بينما هناك جزء فيها ما زال عالقا عند لحظة قديمة، ينتظر اعتذارا لم يأتِ، أو تفسيرا لم حدث، أو عودة شيء تعرف في أعماقها أنه لن يعود أبدا.
ولعل أكثر ما يوجع في قصتها أنها لم تعد تنتظر منه أن يختارها، ولا أن يعتذر، ولا حتى أن يحبها كما كان.
لقد توقفت عن المنافسة، لا لأنها ضمنت مكانتها، بل لأنها لم تعد تريد مكانا في قلب يضطرها كل يوم إلى إثبات أنها تستحقه.
شمس النهار 🌞✍🏻