نادر فريد
نائب برلماني
نودزاوي شاعر
نودزاوي حكيم
نودزاوي كوميدي
نودزاوي رياضي
برنس الفضفضة
اسطورة نودزاوي
ناشر مجلة
عضو
ناشر محتوي
- إنضم
- 27 سبتمبر 2025
- المشاركات
- 1,155
- مستوى التفاعل
- 1,474
- الإقامة
- مدينة نودزاوي
- نقاط نودزاوي
- 71,543
- الجنس
- ذكر
- الدولة
- مصر
- توجه جنسي
- أنجذب للإناث
Offline
الانعكاس المخيف
كان الصمت يلف أرجاء الغرفة المظلمة إلا من ضوء خافت ينبعث من مصباح صغير بجانب طاولة الزينة ، الساعة تجاوزت منتصف الليل بكثير والوقت يبدو وكأنه توقف تماماً محاصراً في تلك العتمة التي تملأ زوايا المكان بوجوم غريب ، جلست مريم أمام مرآتها العتيقة ذات الإطار المنقوش تأخذ نفساً عميقاً محاولة طرد هواجس التعب والإرهاق التي تثقل كاهلها بعد يوم طويل وشاق
أمسكت بقلم الكحل الأسود الداكن بأصابع مرتعشة قليلاً ورفعت يدها لتحدد عينيها بعناية ودقة كما اعتادت كل ليلة قبل النوم ، كانت تركز بصرها كله على انعكاس وجهها في الزجاج الصافي مراقبة كل تفصيلة دقيقة وكل حركة تقوم بها يداها لترسم خطاً انسيابياً متناسقاً يبرز سحر عينيها الواسعتين ، وفي تلك اللحظة بالذات وبينما كانت تهم برفع طرف جفنها بإصبعها حدث ما لا يستوعبه العقل بسهولة
لاحظت عيناها المعلقتان بالمرآة شيئاً جعل دماءها تتجمد في عروقها ، انعكاسها .. نعم انعكاسها الموجود داخل إطار الزجاج ابتسم ابتسامة واسعة وغامضة ارتسمت على شفتي النسخة الأخرى قبل أن تدرك مريم نفسها أنها على وشك الابتسام بثانيتين كاملتين
تسمرت مريم في مكانها وعلق قلم الكحل بين أصابعها وكأن صاعقة قد ضربت جسدها ، اتسعت عيناها ذعراً وتوقف قلبها عن النبض لفترة قصيرة قبل أن يخفق بعنف وقوة يكاد يمزق ضلوعها ، ركزت نظرها بذهول تام نحو المرآة لتجد أن الانعكاس قد عاد فجأة إلى حالته الطبيعية الجامدة وكأن شيئاً لم يكن ، وكأن تلك الابتسامة المرعبة لم تكن سوى هلوسة بصرية ناتجة عن شدة الإرهاق وقلة النوم
هل جُننت حقاً ؟ سألت نفسها بصوت هامس ومرتجف يملؤه الرعب والخوف الدفين ، حاولت إقناع نفسها بأن العقل البشري يحيق به التعب فيسلط عليه الأوهام والخيالات المزعجة في الساعات المتأخرة من الليل ، أخذت نفساً عميقاً وأغلقت عينيها لبرهة من الزمن ثم فتحتهما ببطء شديد محاولة تجاهل ما رأته للتو والتركيز على إكمال ما كانت تفعله
لكن الشكوك لم تتركها وشأنها ، قررت أن تتأكد بنفسها وبشكل قاطع فرفعت يدها ببطء شديد وراحت تلوح بابتسامة خفيفة متصنعة أمام المرآة مراقبة الانعكاس بدقة متناهية وبتركيز لم تشهده من قبل ، هذه المرة لم يكن الأمر مجرد اشتباه ، لقد رأت بوضوح تام كيف تحركت شفتا الانعكاس وارتسمت تلك الابتسامة الباردة قبل أن تتحرك عضلات وجهها الحقيقي بفاصل زمني قصير وثابت قدرته بثانيتين مخيفتين
بدأت الأنفاس تتسارع في صدرها وأحصت الثواني في سرها : واحد اثنان ، لتتحرك بعدها ملامح وجهها متبعةً خطى الانعكاس وليس العكس وكأن الصورة أصبحت هي الأصل وهي الكائن الحي المسيطر بينما هي مجرد ظل يتبع حركات ذلك الكيان الغامض ، شعرت ببرد قارس يسري في أطرافها وكأن الهواء حولها إلى جليد صلب
لم تستطع التحمل أكثر من ذلك ، رمت قلم الكحل من يدها بعنف وابتعدت عن الطاولة برعب وهي تتراجع للخلف بخطوات متعثرة ومذعورة حتى اصطدم ظهرها بجدار الغرفة الصلب ، ظلت تحدق في المرآة بعيون يملؤها الهلع والرعب المطلق تنتظر ما سيحدث بعد ذلك وفي تلك اللحظة المرعبة رفع الانعكاس يده الباردة ببطء شديد ولامس سطح الزجاج من الداخل موجها لها نظرة ثاقبة تحمل في طياتها وعيداً صامتاً لا يرحم وكأنه يقول لها إن اللعبة قد بدأت للتو وإنه لم يعد مجرد صورة صامتة تعكس واقعها بل كيان حي ينتظر اللحظة المناسبة للعبور
بقيت مريم محاصرة بين جدران غرفتها وظلال الليل الحالكة تدرك جيداً أن حياتها لن تعود كما كانت أبداً بعد هذه الليلة
نادر فريد